بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 13 سبتمبر 2016

في علم الجمال إشكالية الفن الأزلية جدلية الأخلاقي و الجمالي


An a essay on aesthetics …
The Everlasting Problematic Status of Art …
The Dialectic of the Ethical and the Aesthetic
Ahmed Khalis Shalan
 مقالة في علم الجمال ...
                 إشكالية الفن الأزلية ... جدلية الأخلاقي و الجمالي
أحمد خالص الشعلان
                                                   
منذ بواكير التفكير الفلسفي، دأب الفلاسفة على الحديث، و لم يتوقفوا، عن وجود علاقة إفتراضية بين الفن بوصفه إبداعاً معرفيا جماليا، و الأخلاق بوصفها سلوكا لا بد أن يتسم بها مضمون الفن، حتى في تلك الرسوم البدائية التي وجدت على جدران كهوف إنسان ما قبل التاريخ، التي لا بد من أنه كان في ذهن رساميها قصدا غير مباشر يتجاوز الفائدة العملية أو اللهو و اللعب الذي ينطوي عليه ما نقشوه علا جدران الكهوف.

و لقد تحدث الفلاسفة مطولا، و في كل الحقب التي مرت بها الفلسفة، من بواكيرها و لغاية العصر الحديث، عن ضرورة أن يتخلل العملَ الفني جدلٌ، من نوع ما، بين الخصائص الشكلية الجمالية و المزايا المضمونية الأخلاقية. و هو ما يُخال إفتراضاً أنه يخلق الوحدة النسبية المتميزة التي تطبع عمل الفنان. و ليس هذا فحسب، و إنما ذهب بعض الفلاسفة أيضا الى شوط أبعد من ذلك، فتحدثوا في موضوع، ظل الجدال فيه ساخنا و لم يبرد، إذ قالوا بضرورة أن تهيمن خصائص مثالية على سلوك الفنان شخصه، ما يعني بالنتيجة ضرورة أن يكون الفن إمتداداً لصاحبه، بمعنى أن يكون الفنان نفسه مثلما يكون فنه، أي ضرورة وجود تطابق بين المزايا الأخلاقية التي يبثها الفن و شخص الفنان و توجهاته الإنسانية.
و من هنا . . كان هذا المنحى في التفكير قد وضع منظري الفن أمام اتجاهين، معروفين عند الجميع، لتفسير هذا الموقف و هما:
-    الأول . . يقول بأن النص ما أن يخرج من المؤلف يكون قد إستقل عنه، ليكون له وجودٌ موضوعي. و بذلك، فإن تفسيره لا علاقة له بالنزوع  الأخلاقي للمؤلف، لأن المؤلف برأيهم يصف ما يرى، و يروي ما يحدث. و هو الإجتهاد الذي كان  الإرهاص الرئيس الذي مهد لترويج نظرية "موت المؤلف"، التي نشأت في عصر ما بعد الحداثة. و ترجع جذورها، إن تتبعناها مليا، الى مقولة الفيلسوف فردريك هيغل عن "استقلالية الفكر"، بمعنى وجود موضوعي للفكر. و هو إتجاه، مثلما نرى، لا بد له أن يغلـِّب دور الخصائص الشكلية الجمالية على المضمون الأخلاقي. و من هنا . . فهذا الرأي لا يهمه أمر إن كان العمل الفني يبغي الإرتقاء بوعي القارئ الى الإهتمام بالهموم الإنسانية الكبرى، مثلما فعل شيكسبير و دستويفسكي و نجيب محفوظ و هيرمان هيسه و غائب طعمة فرمان و أندريه مالرو و لويس آراغون و بتهوفن و جايكوفسكي و دبلاكروا و بيكاسو و غيرهم بالعشرات، بل قل بالمئات، في مختلف المجتمعات  في مختلف الأزمنة. و لا يهمه أيضاً أن ينحصر إهتمام الفن بالنزوات الجمالية العابرة، و مثالهم أغلب رواد الرواية الحديثة الفرنسيون بمن فيهم كتاب الرواية المضادة و سلفادور دالي  و استروفسكي و ديبوسي و غيرهم أيضا بالعشرات. فهذا الاتجاه مثلما قلت لا يؤسس في المقام الأول لجدلية جمالية أخلاقية في الفن، و إنما غايته في تجسيد الفن و تفسيره هي  تغليب الشكل و إضفاء رزية تكون في أحيان كثيرة عصية على فهم المتلق، و بذا، لا يحتل المضمون الأخلاقي فيه سوى دورٍ تابعٍ. و قد أدت المغالاة في هذا الإتجاه، مثلما قلت، الى بروز نظرية "موت المؤلف" في النقد الأدبي، أو ما عرف بمفهوم "إستقلال النص" عن الناص أيا كان جنسه أو نوعه، التي لسنا في وارد الحديث عنها في هذه الفسحة. و لا ننسى أن هذا المنحى كان قد فرَّخَ هذا إتجاهات فرعية مثيلة عديدة.

-    الاتجاه الثاني . . يقول بأن النص، مهما بلغ في إستقلاليته و نزوعه الموضوعي الوصفي التجسيدي، يبقى إمتدادا للمؤلف، يعبر عن رؤاياه لزمانه و عن طريقة تمثله للعالم المحيط به، ما يعني أنه ينبغي على الفنان إلا يكتفي برواية ما يحدث، بل أن يترك طابع زمانه على عمله الابداعي. و ها هنا أيضا يبرز لدينا، إفتراضيا، إتجاهان هما: الأول هو ذاك الذي يبرز الى العيانِ شروراً (آيديولوجيات سياسية و دينية و إثنية و إقتصادية و نزوات فردية)، تحيق بالبشر أفرادا و جماعات، من أجل فضحها، و الإيحاء ببدائلها التي تعمل على الإرتقاء ببني البشر . .  و مثاله، إضافة لأعمال من ذكرت سابقا، أعمال هوميروس و غوته و شكسبير و توماس مان و آندريه مالرو و شارلس ديكنز و ديستويفسكي و  نجيب محفوظ و حنا مينا و غائب طعمة فرمان و فؤاد التكرلي و علي بدر في مجال الرواية و الشعر، و بتهوفن و ريتشارد فاغنر و كورساكوف و جايكوفسكي في مجال الموسيقى، و مايكل آنجيلو و بيكاسو، و جواد سليم في مجال التشكيل، و غيرهم في مجالات أخرى . . و الإتجاه الثاني؛ هو ذاك الفن الذي إنخرط  في تصوير الشرور التي يقترفها البشر (حكاما أو محكومين و يموت فيها البعض منهم حتف انوفهم) على أنها مآثر تسجل في صالح البشر . .  و مثال ذلك أعمال كثيرة حول العالم مجدت القتل و الجريمة و السرقة، و أقرب أمثلتها لدينا ذاك الذي سُمي جزافا فنا، الذي أُنتِج تحت الأسباب التعبوية لما سمي بـ "قادسية صدام" (و لا بد أنه كان قد أنتج أيضا عند الطرف الإيراني فنا لا يقل سخفا عن هذا في تمجيده للقتل و الجريمة بإسم الفداء و الشهادة و الثأر من احفاد قتلة الحسين!).  

و من المعروف، و ليس في هذا مفاجأة لقراء الفلسفة و لا لنقاد الفن و الأدب، إن العلاقة بين الأخلاقي و الجمالي في الفن عموما كانت قد برزت بوصفها أحد المواضيع المهمة التي تتحدث فيها الفلسفة. و كان هذا الموضوع قد تبلور في أول عهده، حين شرع الفلاسفة يجادلون في مفاهيم من قبيل: "الجميل" و نقيضه "القبيح"،  و "الخيِّر" و نقيضه "الشرير"، و ما الى ذلك من المفاهيم، و هو الجدال الذي نشأ منه تبعا لذلك فرع من فروع الفلسفة، سمي بـ "علم الجمال aesthetics".
لقد أوجد علم الجمال معايير تستعمل بوصفها موجهات لإصدار أحكام على أعمال الفن شكلا و مضمونا. الجمال حقله شكل العمل الفني، بكل ما يحتويه الشكل من مزايا أسلوبية و بنائية فنية . . و الأخلاق حقلها المضمون، بكل ما يحتويه المضمون من سجايا و مناقب و مبادرات محتملة و أمثلة و رموز، مما يعد نسبيا مواقف خيرة يتخذها البشر. و بسبب ما إكتشفه الفلاسفة من تداخل و تناظر بين الجمال و الخير، و مثلهما بين القبح و الشر، نشأ لديهم علم سمي بـ علم الأخلاق"، ليكون صنوا لعلم الجمال و يحمل فكرا موازيا له، بوصفه فرعا آخر من فروع النظر الفلسفي، لدرجة ان بعض أولئك الفلاسفة عبروا تعبيرا واضحا عن التشاكل القائم بين علم الجمال و علم الأخلاق، و منهم في حقب الوعي الأغريقية المبكرة افلاطون و أرسطو و أبيقور، و فيما بعد إيمانويل كانت و هيغل و جورج  سانتيانا، و برغسون و جورج لوكاتش و غيرهم، الذين أوضحوا ضرورة أن يتلازم الجميل و الأخلاقي في أي سلوك إنساني أولا، و في أي عمل من أعمال الفن ثانيا. ما يعني إن أي عمل من أعمال الفن، إذا ما عدّ جميلا، لا بد له أيضا ان يكون معبرا عن القيم الخيرة، مهما بلغت التفسيرات النسبية لمفهومي الجمال و الأخلاق.

إذن، و من أجل فن تتظافر فيه العناصر التي تجعل منه إبداعا، كان لا بد للساعين الى النزوع الجمالي أن يلاقوا، عند منتصف الطريق، أولئك النازعين الى الأخلاق. و ليس عن عبث أن يقول أيمانويل كانت، الذي يعد الأب لكل نزوع حداثوي، ما معناه أن لا بد لـ"الذائقة الجمالية taste" أن تكتمل بما سماه "التدريب الأخلاقي moralistic training".

و لأن إهتمام الفلاسفة ، في أغلب تصوراتهم، ينصب على الإحاطة بالكل قبل الأجزاء، نجدهم لهذا السبب يذهبون الى التشديد على إفتراض وجود علاقة وثيقة بين الإدراك الجمالي و الإدراك الأخلاقي. و بذلك، فهُم أما أن يكونوا مؤازرين لتصورات إيمانويل كانت الآنفة الذكر، أو أن يكونوا من مناصري مذهب المنفعة (القائل بوجود رباط وثيق بين الخيّر و النافع، على أساس أن الخيّر لا بد أن يكون نافعا أخلاقيا، و العكس صحيح، النافع لا بد أن يكون جماليا، و مثلما جرى التعبير عنه مرة بإختصار "أن للصفة أخوات").

و مع أننا قد نجد أن أغلب نقاشات أولئك الفلاسفة تنصب على الفن السردي، سواء أكان شعرا او قصة أو رواية أو مسرحية او فلما، من أجل إستكشاف مديات العلاقة بين الإدراك الجمالي و الإدراك ألأخلاقي، إلا أن أغلبهم يرفضون الإقرار بوجود دور مركزي لمعرفة قبلية إفتراضية إزاء علاقة وثيقة للأخلاق بالفن. فهم يقولون، عوضا عن ذلك، بأن الفن، إذا توخينا الدقة، "يرينا" ما يجري و ليس "يخبرنا"، و هو بذا ينوِّر لنا مشاعرنا و تفكيرنا و إدراكنا لمزايا  "الخاص the particular" (النقيض الفلسفي و النقدي لـ"العام the universal") في التقييم hلأخلاقي للشخصية الفنية، أو الحالة التي تمر بها، و من ورائها الفنان. و مع  أن هذا التنظير يحاول أن ينأى  بالفن مما قد يقع به من مطبات تقريرية تعليمية، إلا انه لا  يخلو، مثلما هو واضح، من نزعة حسية. و هم يتحدثون أيضا عن وجود مخاطر كامنة من هذا النوع، في أية معرفة قبلية إفتراضية إزاء علاقة الفن بالأخلاق، قد  يميلون نقديا الى تشجيع إفتراض وجود تماثل تخيلي، ناتج من إستثارة ذهنية معينة، مع أية وجهة نظر ناقصة أو ضارة. و هذه المخاطر تنشأ عادة من حقيقة أننا قد نرى الشخصية المسرحية، أو البطل الروائي، أو الصوت الشعري، بعين الشاعر أو الكاتب، بل و قد يذهب هذا بنا حتى الى رؤية اللوحة بعين الرسام، و الى الإستماع الى العمل الموسيقي بأذن الموسيقي. و بذلك، تتزايد عندنا صعوبة أن نأخذ على محمل الجد أية مزايا أخلاقية تتقاطع مع "العام" المثالي، ما دمنا مرتبطين بالفن تخيليا، دون الإعتراف بالمخاطر الكامنة على هذا الدرب. و من هذه المخاطر مثلا تجاهل دور تفاعلي إيجابي للمتلقي في إكتمال دائرة الإبداع.

و لتوضيح أمر تلك المخاطر، قد تصلح هنا مثالاً تلك القصة التي قرأتها منذ أمد بعيد، لدرجة إني نسيت أسم كاتبها، و كانت تصور ذئبا جائعا يطارد ما كان ليصبح فريسته الموعودة. و كان أداء الكاتب الأسلوبي و حسه البريّ يتضافران ببراعة و إتقان شديدين ليصورا ذاك الحدث الذي دفعني آخر الأمر الى التعاطف مع الذئب (رمز الوحشية و الضراوة و الفتك) و الرثاء له لا لفريسته، لأنها أعيته و عاندته في الإفلات من قدرها قبل الوقوع في قبضة براثنه . . و هنا هو مكمن الخطر، في أن الكاتب جعلني أتمثل الحادثة بـ"عينه". فالذئاب لا تقرأ! و الخطورة و المفارقة يكمنان في أن القصة لم تكن مكتوبة لتقرأها الذئاب، و أنما كـُتبت لكي تقرأها كائنات بشرية على شاكلتي، أناس يتميزون بقدرات تخيلية تعاطفية، و معرضون للوقوع لاشعوريا في فخ الإنغماس في اللعبة التخيلية التي يبتدعها الفنان، و وضع هو شروطها و أطرها و سياقاتها. و من هنا، يجد القارئ نفسه و قد إنغمر في مقاصد الكاتب و غاياته، فيصعب عليه بعدئذ الفصل بين القصد الجمالي و الغاية الأخلاقية.  فإذا كان بمقدور كاتب من هذا الطراز أن يجعلنا ننغمس في تصوراته و نكون جزءا منها، فهل يصعب عليه بعدئذ ان يجعلنا نتقمص قانون الغاب و نرضى به؟ و ما هو أخطر، مما يكشفه لنا هذا المثال على نحو سافر، هو أن بين البشر عددا أكبر بكثير مما نتصوره ممن هم من ذوي المزاج الذئبي الى هذا الحد أو ذاك. و يجسد هذا المثال أيضا المسألة الكبرى لثنائية "النزوع الجمالي/ الوجهة الأخلاقية" و دورها  في الفن، من ناحية إذا كان لكل من القيم الأخلاقية و القيم الجمالية وجودا مستقلا لأحدها عن الأخرى في أعمال الفن، أو أن وجودهما متداخل و متشاكل، لدرجة الإعتقاد أن أحداهما تعتمد على الأخرى في علاقة شرطية لازبة، سواء  جاءت هذه العلاقة تلقائية أو قصدية.

يعود هذا بنا، على نحو ما، الى فكرة "عين الكاتب أو الفنان". فالعين هنا ليست عين كاميرا فوتوغرافية، و إنما هي عين تمثل حاسة ترتبط بحواس حية أخرى، و تتعايش معها، و لها جميعا تأثيراتها على العين، مثلما للعين هي بدورها تأثيرات على تلك الحواس. و تتجمع تلك التأثيرات في مركز معالجة هو الدماغ، الذي نجهل الكثير عن آليته، التي تختلف من فرد الى آخر، في ملاحظة ما يرد إليه من تغذية إدراكية و معالجتها و خزنها. و ما هو أهم بكثير هو جهلنا بالخارطة الجينية التي تتحكم في كل هذه الآليات التي تقف وراء عين الكاتب، الذي يريدنا أن نرى الأشياء مثلما تريد "معالجاته"هو لنا أن نراها. و السؤال الذي لم نحصل عليه إجابة قاطعة هنا هو:
-     أيستتبع كل هذا تحريف أو إضلال لإدراكنا الأخلاقي، على خلفية تعاطف من ذاك الذي قد نبذله مع بطل ذئب من النوع الذي في تلك القصة المذكورة آنفا، الذي يجب ألا يكون مسليا أو مقنعا، و على أساس ألا يستعمل كاتب، من هذه الشاكلة، حيوانا مثل ذاك، وسيلة للإشباع السادي، أو للنزوع الإستحواذي الذي يتملك الوحش المقيم في أعماقنا؟
إذا أتى الجواب "نعم!" . .  فربما يطلع إلينا أحد  يذكرنا قائلا : "و مع ذلك، فإن التعاطف المزعوم مع ذاك الذئب قد يتح لنا إفراغ الكثير مما في جعبتنا من نيات للعدوان مبيتة فينا لاشعوريا، ما دمنا لم نجد بعد في خارجنا موضوعا نسقطها عليه". و بإختصار لربما يقصد هذا الأحد، بعبارة أخرى، أن تعاطفا من هذا النوع يساعدنا من التطهر مقدما من إثم قادم قد تزين لنا إقترافه مخيلتنا!

و بناء على كل ما تقدم . .
-    هل علينا أن نعد تعاطفا مع مثل ذاك الذئب إخفاقا جماليا من لدن الكاتب، أم نعده إخفاقا أخلاقيا، في القراءة، من جانبنا؟

انه لمن الخطأ، منطقيا، التسرع في القول أن تعاطفا من ذاك النوع يعد عيبا جماليا، و كأنه في الوقت ذاته عيبا أخلاقيا. و ذلك بسبب ظاهرته المعقدة المتعددة الجوانب. و إنه لمن الخطأ أيضا تعيين الإخفاق الجمالي، إذا ما حصل، بأية من تفسيرات الإخفاق الإعتباطية المتعددة. ذلك، لأن تعاطفا من هذا النوع،ذا ما رغبنا في تقييمه جماليا و أخلاقيا، علينا الإنتباه الى أنه تعاطف لا تتحكم به، بسبب نسبيته، آليات فهم الكاتب أو الفنان فحسب، و إنما تتحكم به أيضا آليات فهمنا نحن المتلقين، ناهيك عن عوامل عديدة تتحكم به هي الأخرى متداخلة مع بعضها على حد سواء، و من هذه العوامل  ثنائيات من قبيل "الخاص/العام"، و "الفنان/ المتلقي"، "المنتج/المستهلك"، فضلا عن ثنائية الحكم "الجمالي/الأخلاقي". و إلا فكيف نحكم على أغنيات بالعشرات، غناها لصدام  مطربون كانوا يشدوننا بإلتزامهم و بالألحان الجميلة التي أدوها. فكم من كلمات تلك لأغاني كانت جذابة عند كثير من الناس، و ألحانها كانت، بلغة اللحن و الموسيقى، من أنجح ما تكون عليه ألحان أغنية، لدرجة أننا لو جردنا تلك الأغاني من "الخاص" المتمثل  بكلمات من قبيل: "صدام"  و "البعث" و "القادسية"، و وضعنا بدلها كلمة تصلح لتمثل "العام" الذي تتمثله العقول المرتنهة عن وعي بالمشاعر التي ترتقي بوعي البشر، لكانت قد إنقلبت خارطة تلك الأغاني  رأسا على عقب، و صارت جزء خالدا من تاريخ الأغنية العراقية، ناهيك عن الكيفية التي نحتاجها لتقويم مواقف أولئك الفنانين شخصيا، على وفق سياقات ثنائية "الخاص/العام".

          و من المناسب أن يتذكر المرء هنا فلم "باريس و الآخرون"، الذي يصور حياة موسيقار إنخرط فنه آنذاك في خدمة الدعاية و الترويج لها. و بعد عشرين عاما على سقوط النازية، جاء ليقدم حفلا موسيقيا، ففرح أشد الفرح لنفاذ بطاقات ذاك الحفل بأسرع مما يتصور، و لكنه تفاجأ في اليوم الموعود للحفل أن أي فرد من الجمهور الذي إشترى البطاقات لم يحضر، و بدلا منه  صدمه منظر القاعة يتدلى من سقفها ما يشير الى إخفاقه الأخلاقي في مناصرته للنازية . . و كان في هذا، دون ريب، درسا أخلاقيا من الجمهور للفنان، تتجسد فيه ثنائية "الفنان/ المتلقي".

          و للتاريخ ذاكرة حية تساعدنا على تأمل الكيفية التي تعامل بها الجمهور العراقي، على وفق الثنائيات المذكورة آنفا جميعا، مع الفنان الذي أدهشنا سابقا بدور "أبو عطية" في مسلسلي عادل كاظم "النسر و عيون المدينة"، ثم تطوع فيما بعد لإخراج مسرحية "زبيبة و الملك" المنحولة لصدام، لكي يتمادى ممثل دور "ابو عطية" في تصريحاته لصحافة ذاك الزمان، متمنيا، بأسى بالغ، لو أنه كان آنذاك أصغر سنا فحسب لكي يكون بمقدوره القيام بدور الملك صاحب زبيبة! . . و يروح بعد سقوط الدكتاتور . . و من أجل أن يبرئ نفسه و يطهرها مما تصوره إثما قد يحاسبه عليه أتباع من قتلهم صدام من رجال الدين . . و يتمادى و يزيد الطين بلة بعد سقوط صدام  و يقوم، في مسرحية عرضت في بغداد عام 2008، بدور رجل دين كان غريما للبعث العلماني  قتله النظام آنذاك، من أجل أن يتملق طائفة رجل الدين هذا! . . و ما رأيناه، نحن من جانبنا، جمهورا في هذا كله، أن الجمهور هنا لم يكن صنوا لجمهور فلم "باريس و ألآخرون" في نزوعه لتأديب ذاك الفنان و معاقبته على فعلته اللاأخلاقية المزدوجة! . . و لا رأينا في الوقت ذاته تقييما "جماليا/ أخلاقيا" نقديا لسلوك هذا الفنان. و لكننا، من ناحية أخرى، صرنا أكثر إدراكا من ذي قبل بحقيقة أن السطحية و التفاهة و السوقية و التملق، و ما الى ذلك مما ينحدر بالفن الى الحضيض،  تقتات جميعا من محيطها الموبؤ ذاته الذي  تقتات منه الدكتاتورية. و هو، بالتأكيد، مما لا ينفع الفن به و بالجمهور معا على حد سواء، و لا يؤسس لإرتقاء الجمهور أخلاقيا أو جماليا.

و بالتالي  . . إنه لمن المهم الى حد بعيد معرفة فيما اذا كان على المرء أن يفترض دائما بأن القيم الجمالية و الأخلاقية، فضلا عن الأحكام التي تنبني عليهما، تتداخل مع بعضها البعض، أم أنها تحافظ على نحو مطرد على إستقلالها التصوري في تمثل المآثر الإنسانية. و ثمة شيء ينبغي ألا يغيب عن البال دائما، هو أن أعمال الفن لها أبعاد متعددة، و مقاصد متعددة، و معان متعددة، مثلما لها جمهور متعدد يفرز تفسيرات متعددة، و تنظيرات متعددة، و حالات قبول و رفض متعددة، ما يجعل من جدل "الأخلاقي/ الجمالي" من الغنى و التنوع الذي يرتقي أحيانا فوق مستوى الإشباع الحسي الذي تتيحه أعمال الفن. و يجب ألا يغيب عن البال أيضا أن لأعمال الفن أبعادا متعددة للقيمة، لا تقتصر على القيم الأخلاقية و الجمالية فحسب، و إنما تشتمل ضمنا أيضا على قيم تاريخية، و إجتماعية، و سياسية، فضلا عن القيم النوعية التي تتعلق بتاريخ الإنسان نوعا على هذه الأرض، ناهيك عن قيم أخرى لا تعد و لا تحصى، منظورة و مستترة.

إن العمل الفني الذي يعد متفوقا من الناحيتين الجمالية و الأخلاقية، هو العمل الذي لا يخلو من مغزى تاريخي نسبي، سواء أكان شخصيا أو يخص الجنس البشري، و يكون عميقا في مراميه الأخلاقية و الجمالية. و إن عملا من هذا النوع سيبقى، دون ريب، أفضل من أي عمل لا يتمتع بهذه الخصائص مجتمعة. و هي خصائص لا تلتئم إلا بجهد أنساني نابغ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق