بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 14 أكتوبر 2016

في علم اللغة الإجتماعي فصل مترجم من كتاب ... الـلغـــة نـظريـــاً/ لغة الجنوسة (2-2)

On Socio-Linguistics
A chapter from Language in Theory (2-2)
                        THE LANGUAGE OF GENDER
By: Mark Robson & Peter Stockwel
Translated by: Ahmed Khalis Shalan
في علم اللغة الإجتماعي
فصل مترجم من كتاب ... الـلغـــة نـظريـــاً/ لغة الجنوسة (2-2)
مارك روبسن و بيتر ستوكويل ... ترجمة أحمد خالص الشعلان
Peter Stockwell
A. Kh. Al-Shalan
(1)  لغة مجونسة
 GENDERED LANGUAGE        
زعمت سيمو دي بوفوار  Simone de Beauvoir  ، على الملأ ، ان " المرأة لا تولد إمرأة ، و إنما ، بالأحرى ، تصير إمراة " . وهذا يرسم  لنا على الفور الفرق بين الجنس البايولوجي  biological sex  و التفسير ألإجتماعي للتوقعات و السلوك و قوالب التفكير و الدور ألإقتصادى لما يسمى بـ " الجنوسة gender  " . و أنه لمن الواضح أن إستعمال اللغة يتقرر ، في جانب منه ، بجنوسة المتحدث و المستمع في عدد لا يحصى من الدراسات في حقل علم اللغة ألإجتماعي  التي تظهر ان الرجال و النساء يستخدم كل منهم اللغة على نحو مختلف . و قد أوحت لنا دراسات مبكرة ان أداء ألنسوية  femininity  ينطوي على قوالب لغوية من قبيل ألتالي :
-         التهيب العالي       over-hesitancy بضمنه التوقف و التأتأة ، و تعابير من نوع " آ... "  ، و " مم.... " ، و جمل ليست مكتملة  ... تتباطأ ... و .. تتلاشى ...
-         اللاجزم  non-assertiveness  بضمنه تجنب او تفادي عبارات من نوع " إر ..." ، و " انت تعرف .... " ، ما يوحي بان صاحبتها تتظاهر بالطلاقة ، او إستعمال عبارة " همم ... " للظهور بمظهر الثقة بالنفس ، فضلا عن إستعمال نبرة الحديث  العالية طلبا للموافقة و الدعم ؟
-         المرجعية- الذاتية  self-reference  في موضوع النقاش ، مع ميل لوضع أساس منطقي لإستعمال ضمائر الشخص ألأول  ، و إلإستعمال ألحصري و الحميمي   للضمير  " نحن " و أدوات التملك .
-         تجنب الشتائم و ما يعد في باب التابو من اشكال التعبير .
-         التأدب الراقي ، بضمنه إستعمال تعبيرات من نوع : همم .. . و ... ياه ،  ذات درجة عالية من : أكيد ... و... ياب ... و ...مممم ... على انها إيجابية و قناة خلفية داعمة .
-          اللامقاطعة  non-interruption  ( بخاصة للرجال ) في المحادثة .
( لنلاحظ ، ايضا،كيف يجري التعبير كثيرا عن هذه القائمة الموجزة بوصفها نقائض للمعيار الذكوري .)  و على الرغم من ان  هذه الإختلافات المسجلة تبدو و كانها تتطابق مباشرة مع ما بعد الفعالية الإجتماعية و ليس مع الجنوسة ، إلا ان الحقيقة القائلة ان النساء يجدن أنفسهن غالبا في مواقع إجتما- إقتصادية أقل فعالية بإمكانها ان تفسر ميلهن لإستعمال مثل هذه القوالب اللغوية ( و العكس هو الصحيح بالطبع ) . و مع ذلك ، فإن الإستعمال المتكرر لهذه الجوانب كان قد أدى الى تحديد ، مفاده إن وجود مثل هذه ألأشياء قائم على اساس انها" لهجة جنوسية  genderlects".
          لقد إحتدمت النقاشات حول سؤال مفاده : إذا ما كانت هذه القوالب اللغوية المعتادة قد أمست متحجرة ، لدرجة ان اللغة ذاتها قد ينظر اليها على انها  جنسانية sexist   في طبيعتها الأساسية ، ومن صنع ألإنسان و ذات توجه ذكوري male-oriented  . و بذا تبدو اللغة و كأنها تتعامل مع الجوانب الذكورية بوصفها معيارا ، و مع الجوانب الأنثوية و كأنها شاذة او تخص " الآخر " . ستغدو اللغة ، إذن ، جزء من العدة الآيديولوجية التي تؤازر الجنس ، و أن إستعمال اللغة لا بد ، في هذه الحالة ، ان يعد كونه  قضيبي التركيز phallocentric  ، قادر حسب على تقديم تعبيرات للذكورية ، و غير قادرة على تجنب إنكاره لحق النساء في أكتساب صوت إجتماعي يخصهن . و يجري إجبار النساء ، بموجب هذا الراي ، على إستعمال قوالب التعبير اللغوي الغريبة عنهن و التغريبية لهن .
           و يتحدى رأي من هذا النوع ، من زاوية أوسع ، ، ألإدراك التقليدي ، و لربما ألأدراك الشعبي ، القائل بان اللغة ببساطة هي مجموعة مفتوحة من الخيارات ، يستطيع المتحدثون ان ينتقوا منها الكلمات و المباني القواعدية التي يريدونها للتعبير عن أنفسهم تعبيرا وافيا . و تقوم  اللغة في ألإدراك التقليدي بمجرد التعبير عن تمثل مشفر للعالم بما هو عليه : ما يعني ان اللغة ما هي إلا وسيلة واضحة تتوسط بين العالم و الهوية الشخصية . و قد نقول عوضا عن هذا ان اللغة معرضة للضغوط ذاتها التي تفرضها ألأيدولوجيا التي تعكس الشروط ألإجتماعية و ألإقتصادية . إن اللغة تتألف من الواقع و الهوية الشخصية ، و تقوم مقيدات اللغة بتحديد التعبير عن الحالات التي يمر بها الواقع و الهويات الشخصية التي ينظر اليها على انها لامعيارية  non-normative  . و تحمل  ممارسة اللغة ، من ناحية ثانية ، قيما إجتماعية سائدة منذ زمن طويل . إن تجربة النساء ( و مجموعات أخرى تعاني من لامركزة  decentred ) بالنتيجة ما هي إلا تعبير منكر من تعبيرات اللغة .
          و قد يقول رأي مخالف لهذا بوجود عناصر من الماهيوية  essentialism في هذه المناظرة . أولا : إن الموقف يقدم اللغة بوصفها موضوعا جوهريا مفردا بإمكانه ان يبدو بخاصية وحدة ذات تناغم كلي ، وليس الظهور بمصطلحات وحدية unitary  بسيطة . و يبدو الزعم القائل بأن اللغة نفسها هي جنسانية و كأنه يعطي اللغة شخصية مستقلة تموضعها ، و بذا تجعل منها تبدو و كأنها قابلة للسيطرة . قد يكون عليك عوضا عن ذلك تصور اللغة على انها مجموعة من حوادث التواصل  communication  في عدد هائل من انواع التبدلة permutation    تظهر كل يوم وعبر الماضي . إن التنويع الذي تتميز به اللغة ، وهكذا يجري تصورألأمر ، يجعلها تبدو معقدة ، و انسيابية و عرضة لعدد كبير من الضغوطات المتعرضة و التكميلية ، ما يجعلها تضمن نصيتها texture  ذات البذار الحسن ، و تنوعها الإسلوبي  ، و قدرتها اللامتناهية تقريبا على الخلق . تعرض اللغة لنا ، إذن ،  قوة مقاومة للسيطرة التي تميل اليها اية من المجموعات ( حتى لو كانت ذات قوة طاغية ) .
          ثانيا : و يقدم الراي السابق ، على نحو مشابه النسوية كلها بوصفها موضوعا لامتغيرا  non-vatiant  موحدا مفردا .   و يختصر هذا الرأي النساء فرادى – من جميع الثقافات ، ومن كل العصور وكل حقب التاريخ في مجرد جانب واحد من جوانب ألنسوية ، له خواص و حدود جوهرية بالإمكان الدفاع عنها بسهولة . و لا يبدو هذا أيضا مرضيا جدا . لأنه لن يقدم ، حتى على نحو اضعف بكثير ، اية إمكانية للتعبير عن تجربة إمرأة مفردة ، و لا يقدم أية وسيلة لمناقشتها ، او و لا حتى التفكير فيها .
           و لقد قدم بعض علماء اللغة ألإجتماعيين و بعض الكتاب الداعين الى النسوية feminist رأيا أكثر وظيفية للغة ، بأن ركزوا على ألإستعمالات التي توضع بها اللغة ، و هذا يشمل فصل المتكلم عن مجموعة الخيارات الممكنة المتاحة في كل ما ينطق به الناس . إذ يبدو ميدان دراسات عديدة و كأنه ، مثلا ، يشير الى ان النساء بألأحرى متحفظات في كلامهن ، و ينتقين خيارات ذات تأدب عتيق الطراز ، بل وحتى يملن الى التصحيح المغالى فيه  hyper correcting في لغتهن وصولا الى صيغ ذات هيبة إجتماعية عندما يكنَّ في أوضاع من وعي الذات . ( يبدو على النساء ، مثلا ، تبنيهن لصوت " تلفون " عالي القيمة أكثر طواعية من صوت الرجال .) و لقد أوحي بان هذا يحصل لأن النساء أكثر وعيا من صورتهن البارزة ، أو   " وجههن " ألاجتماعي ، او انهن أكثر  " فقدانا للأمان " من الرجال . و يبدو على الدراسات أيضا انها تريد ان تظهر الأمهات يدرِّسن أبنائهن و بناتهن كلا على وجه مختلف حين يأتين الى موضوع تصحيح لغة ألأولاد ؛ بان يجري " تصحيح " لغة البنات بإتجاه إكتسابهن تلفظا للهجة لها هيبة على مستوى البلد ، في حين يترك ألأبناء لإستعمال لهجة ذات نكهة محلية ، و هي اللهجة التي يتحدث بها بالفعل باقي أفراد ألأسرة .
          و بدلا من رؤية هذه القوالب اللغوية على انها " نسائية " على نحو جوهري و إحتمالي ، انه مهم ، من ناحية ثانية ، التعرف على العوامل الأيديولوجية و السياسية التي لها علاقة بهذا ألأمر . إن النساء الميالات الى المغالاة في تصحيح لغتهن يملن أيضا الى النساء اللاتي ينتمين الى الشريحة العليا من الطبقة الوسطى ، ما يضعهن في أدوار إجتماعية تتطلب منهن الظهور بـ " وجوه " عديدة ، يتناسب كل منها و إتجاه ألإرضاء ألإجتماعي اللاتي يجدن انفسهن في خضمه . إذ تبدو تلك النساء ، في هذا المنظور ، و كانهن يمتلكن مهارات لغوية " متعددة الثقافات  multi-cultural  " قد تفتقر اليها الجماعات الأخرى . لنلاحظ ايضا ان  تفسير علم اللغة ألإجتماعي التقاليدي  للإختلاف بين النساء هنا هو شيء بالأحرى جنساني ، و ليس اللغة التي تستعملها النساء . و إنه من اليسير قلب هذا الوصف رأسا على عقب من اجل عرض      " اللهجة الجنوسية " بوصفها مهارة إيجابية يفتقر اليها ألآخرون .
          و على نحو مشابه يكشف البحث في العقد القريبة من الشبكة ألإجتماعية الخاصة بنساء الطبقة العاملة المدينية ان النساء ، لا غيرهن ،  هن اللاتي يولدن الابتكارات في إستعمال اللغة ، ثم يحافظن على هذه التنويعات المستحدثة . و توصف النساء اللاتي يعملن في شبكات إجتماعية متراصة جدا في الغالب كونهن يشكلن الجبهة ألأمامية في التحولات التي تطرأ على اللغة ، سواء أكان هذا التحول يخص تنويعات اللهجة ، او ألأبتكار في إختيار المفردات ، او العبارت او القوالب القواعدية للغة . فأوليات التعبير الإنكليزي ألأمريكي " هل لي بساندوتش؟  Can I get a sandwich ?" بدلا من ألإنكليزية البريطانية التقليدية  " هلا حصلتُ على ساندويتش ؟ Can I get a sandwich ? "  يبدو أن الشروع في إستعمالها جاء من لدن النساء المهنيات في لندن . و حصل الشئ ذاته مع إنتشار النبرة العالية  intonation للطبقة العليا في الحديث خلال تسعينات القرن العشرين و بواكير القرن الحادي والعشرين  عبر العالم الغربي المتحدث بالإنكليزية ( و الذي لوحظ إنتشاره حتى في اللغات ألأخرى ) ، كان اول ما لوحظ في المملكة المتحدة تستعمله الجماعة ذاتها من النساء . إن هذا القالب اللغوي يعد الآن شائعا عبر البلاد ، إذ إنتشر بين الجيل ألمتصابي من الرجال . إن بإمكان هذا المنظور الى اللغة – الناشئ أصلا خارج ألإهتمام النسوي في ألأعمال التي تتناول الفعالية ألإجتماعية و ألآيديولوجيا – ان يمتد الى وجهة النظر الخاصة بإستعمال اللغة ، بما في ذلك إستعمال النساء لها . إن العامل الحاسم هنا لا يعزى الى حد كبير جدا الى الجنوسة  بالدرجة التي يعزى بها أولا الى النوع الخاص من المجتمع الذي تجد نفسك فيه . إن لهذه الجماعات المدينية تأثير في وضع اللغة في قوالب إستعمال ، إلا إذا عرفت اللغة وظيفيا ، بالطبع ، على انها لغة الممارسات ألإجتماعية التي تحدث . يبدو ، إذن ، أن مجتمع ممارسة اللغة  community of practice  يعد هو العامل الإجتماعي الحاسم في تحديد اللغة ، بضمنها تحديد القوالب الغوية التي تتشكل منها الجنوسة .
           فالجنوسة ، إذن ، هي قضية  أداء لغوي في سياق إجتماعي . إن ألنسوية   Femininity تتشكل ، او ربما علينا ان نتحدث عن " نسويات  femininities  " تتشكل ، طالما توجد أو كانت ثمة سلسلة من الهويات الشخصية متاحة و عرضة للتشكل ، فأن تكوني     " لائقة كسيدة Ladylike  " و عندك حديث " فتاة محبوبة  girlie " و" تحومين  bitching  " حول زميل لك في العمل ، و تظهرين مشاعر " أمومية  motherly  " ، و ما الى ذلك ، كلها لا تتجلى إلا من خلال قوالب لغوية من نوع معين . ان ممارسة الهوية ألنسوية تقوي و تبرر وجود هذه النسويات ، و لأجله ؛ لا بد ان تعد العلاقة بين اللغة و الدور ألإجتماعي الذي تؤديه على انها عملية ذات ممرين . فاللغة تشكل الجنوسة ، و أداء الجنوسة هو بدوره يعمل باستمرار على وضع اللغة في قوالب معينة . إن ما يضم هذه الممارسة ألإجتماعية الى قوالب اللغة من الأفضل ان نسميه " الخطاب  discourse  " ، و هذه الفكرة المدمجة ستصبح أكثر أهمية كلما تقدمنا في دراستنا لهذا الموضوع .
( 2 )  جـنـوسة كـاتـبـة  WRITING  GENDER
إستندت الوحدة الأولى ( أ 1  ) ، حول اللغة المجونسة  ، على فهم إجتماعي و ثقافي للجنوسة . و يشكل البعد السايكولوجي هو أيضا ، من ناحية ثانية ، عاملا مهما في عملية تركيب و إدراك و أداء االجنوسة . و على الرغم من ان العديد من الكتاب كانوا دقيقين جدا في رسم الفرق بين الجنس  sex  و الجنوسة  geneder  ، غير ان هذا الموقف لا ينكر وجود إزدواجية بايولوجية . و من ناحية ثانية ، إن الرأي القائل بان الجنوسة هي تركيب  إجتما- نفسي  socio-psychological لا بد من النظر اليه أيضا على انه رسالة تذكير لنا ، لكي نلاحظ ان الأهمية التي نلصقها بالإختلاف ألجنسي هو شأن الثقافة : ما يعني اننا يجب ان نفكر بكل الطرق        " الطبيعية  natural   " الممكنة الأخرى في التفريق بين الناس ( الشعر ، اللون ، صنف الدم ، عدد بقع النمش على الذراعين ، و ما الى ذلك ) ، ثم نفكر بإنتاج الهرمون و بالخصائص الجنسية ألأولية و الثانوية فيما إذا كانت ذات مغزى كبير .
           و على الرغم من ذلك ، فان الطبيعة ذات القطبية الثنائية للجنس كانت قد أثرت في إدراك معنى الجنوسة بوصفها هي ألأخرى ذات  ثنائية مشابهة . و بذا ، كان الذكر و ألأنثى قد غشيا بثنائيات من قبيل :
          رجالي masculine               نسوي Feminine
           فاعلactive                       منفعل passive
         عقلاني rational                  لا عقلاني irrational
          منطقي logical                     مهروع hysterical
          مالِك possessing                ممتلَك possessed
       مهيمن dominant                 خاضع  submissive
          ثقافة  culture                   مزاج  nature
          إخضاع authority                ذاتوية subjectivity
          قاعدة norm                      غير other
          غيرموسوم unmarked         موسوم marked
          كتابة writing                    كلام speech
          متحدث speaking              مستمع listening
          تفكير  thinking                عاطفة  emotion
          عامل worker                  معتني carer
          عمل work                      لعب  play
          جاد serious                    تافه trivial
          بالغ  adult                      طفولي  childlike
          منتظم systematic            مشوش chaotic 
          مدني public                    منزلي domestic
و العديد غيرها . لنلاحظ كيف ان القالب اللغوي هنا ليس متماسكا : ما يعني انه ليس بالإمكان تعيين واحد على انه ذو خواص موجبة و الآخر على انه ذو خواص سالبة ، و نرى ان بعض الثنائيات تصطدم بأخريات ، إستنادا على التركيز السياقي . فالكتابة مثلا بإرتباطها بالثقافة ، موضوعة لكي تقابل أكثر القوالب اللغوية تشوشا للكلام الطبيعي ،  ما عدا حالة الحديث للجمهور و إلقاء الخطابات التي تعد رجولية بسبب مظاهرها ألإنتظامية و العقلانية و الفعالة .
           و انه واضح باننا نستطيع بيسر ان نفكر في هذه الثنائيات النسبية ، و أن نعزوها الى عوامل اجتماعية ، رجولية و نسوية ، . إن ذلك يشكل جانبا من المعيار ( إشتهاء المغاير  heterosexual ) الآيديولوجي لمعرفتنا ، القائل بأن الرجولي و النسوي قد وضعا في زوج بحيث ينجذب فيه أحدهما الى ألآخر ، على نحو  لا تتمتع بميزة ألإنجذاب هذه إختلافات أخرى من قبيل : الطبقة ألإجتماعية  و العمر و الثقافة و ألأثنية . و يجعل هذا ألأمر من الجنوسة ممارسة لخطاب من نوع مختلف بحيث يبدو طبيعيا و يسيرا . و لقد نظر البعض الى هذا اليسر بوصفه دليلا يوحي بان الجنوسة ما هي إلا طريقة في التفكير  mode of thinking  إنغرست في النفس عميقا . و قد يكون الى حد بعيد تشكل هذا ، في الواقع ،  في جانب من نفسياتنا ، على انه من المستحيل ان ينشا بروز تخيلي من جنوسة الى ( الـ ) جنوسة ( الـ ) أخرى . و بعبارة أخرى ، انه قد يكون من المستحيل على رجل أن يقرا طبيعيا مثلما تقرأ امرأة ، و انه من المستحيل على إمراة أن تكتب مثلما يكتب رجل ، دون ن تتصنع ذلك بوعي منها .
          و يعني هذا الرأي وجود قيود وحدود ، إذا ما ارادت النساء ان يذهبن خلال الحياة العامة في هذا العالم ، و إذا ما تبنت النساء ، هكذا ببساطة اللغة التي يستعملها الرجال ، سيكون ، إذن ، ثمة شيء ذو أثر حاسم تاه منا في التعبير . وإذا ما أرادت النساء ان يراجعن ملاءمة هذه التعبيرات ، عليهن ، إذن ، ان يعدن كتابة الايديولوجيات  وسجلات التاريخ التي كتبت في هذا العالم ، متحديات بذلك  الثناثية التي تشكل القاعدة ألأساس للإفتراضات التي بني عليها هذا العالم ، و كخيار ، تستطيع النساء ان يطورن الصيغة الطبيعية الخاصة بهن للتعبير المكتوب ، المعروف في الفلسفة الفرنسية بـ " الإسلوب النسوي  ecriture feminine  "  .
           و ينجذب المنظور الفلسفي لقارة أوروبا بشدة نحو تقاليد التحليل النفسي و ليس مباشرة نحوالتقاليد الايديولوجية و  التقاليد الخاصة بعلم اللغة الإجتماعي .إن ألإختلافات التي يزعم ان بإمكاننا تتبعها الى مراحل النمو النفس- جنسي  psychosexual  الخاصة بالطفولة تعامل هنا على انها رموز مجازية جرى تجريدها نحو ممارسات لغوية . مثال ذلك ، الخواص الفيزيائية لجنسانية sexuality الرجل التي ينظر إليها على انها جرى توجيهها موضوعيا بما أدى الى نفس ميالة الى موضعة ألأشياء ، و هادفة الى إنغلاق مرغوب فيه . و يتعارض هذا مع جنسانية النساء الأكثر تراكمية التي جرى توجيهها عملياتيا ، و متوسعة مجازيا الى رغبة في الإنفتاح و اللانهائية و إعشاء الإنغلاق و الحدود الأخرى .
          و هذا يعني ، في الممارسة ، ان " ألأسلوب النسوي " يجب ان يكون أسلوب في الكتابة يتميز بسلاسة الشكل ، مثلا ، في التنظيم النحوي . و لا بد ان يبيح الغموض و تعدد المعاني في إختيارات الكلمة ، و ان تكون منفتحة على المشاركة القرائية في عملية  من تركيب المعنى  تتميز بإمكانية لا نهائية . و يجب ايضا ان ترفع من درجة المتعة في النصية اللغوية الى حد يكون مساويا ، على ألأقل ، لمستوى التغطية الدلالية الحقيقية للمعنى الذي جرى تركيبه . و تضيف  واحدة من المؤيدين لهذا الراي ، هيلين سيكس  Helene Cixous  ( التي صاغت هذا المصطلح ) ، قائلة ان " الأسلوب النسوي " هو شكل من الكتابة التي تأخذ ملامحها من ألأساس السايكولوجي للنسوية femininity و تعقد معها علاقة متبادلة . ( يوجد مثال من كتابة سيكس أعيد تقديمه في ت 1 ، و أنظر أيضا سيكس و كليمنت  Clement 1986) . تصطف هذه الكتابات الى صف  الجانب النسوي من قائمة الثنائيات الموضوعة  موجودة في بداية هذا القسم ، و تحتفي بمراكزهن بوصفهن المضادات  اللعوبات للأقطاب الرجولية الموضوعة في الصف ألآخر من القائمة .  وما هو أهم ، تقول سيكس : إن الكتابة ليست وحدها هي التي تجسد ضدا للنظرية الرجولية  masculinism  ، و إنما أيضا ان التفكير في اللغة لا بد ان يقاوم نماذج التصنيف المتبعة ، و التحليل و التشفير التي ينظر اليها بوصفها تمثل جانبا من القطبية الرجولية . إن الكتابة النسوية ، بعبارة أخرى ، يجب ان تتملص من الطريقة التحليلة ، و لا بد لها ألا ترضخ لخدعة النظام المبني على قاعدة ما ، و أن تضع موضع التساؤل  ، أو ان تخالف أية محاولات لوضعها تحت بند أي تصنيف .
          لقد أصبحت مادة العديد من هذا ألأفكار ، التي مصدرها التحليل النفسي ، أكثر وضوحا في إستعمال المصطلحات التي جرى تطويرها على يد كل من فرويد Freud  ، و لاكان Lacan بخاصة . إن " النظام " الذي على السطح ( في المعنيين المرتبطين بالإفتراضات المرمزة عقلانيا و في السلسلة المنظومية على حد سواء ) يجري تعيينه بالمحيط االذي جرى تنظيمه إحتماعيا و عن وعي ؛ ما يعني انه في الوقت الذي يعد فيه اللعب الحر للمعنى و العواطف و الحدسيات على انها واقعة في عالم اللاشعور ، يجري إستبقاء الأخيرة على انها تبرز من " الأسلوب النسوي " .
           و هذا الأمر لا يخلو ، بالطبع ، من مشكلات . لنلاحظ أولا  ، كيف يتحول ما هو تقادمي  prescriptive الى فكرة ينبع منها " ألأسلوب النسوي " –  ظهر لنا ، في المقاطع الثلاثة الفائتة ، انه من الطبيعي تماما إستعمال " يجب  must  " في وصف إسلوب الكتابة -  على الرغم من انه بألإمكان مضاددتها بالقول اننا نكتب بوصفنا رجالا ، و إن هذا الكتاب هو بالذات يعد مثالا لخطاب إخضاعي  authoritarian  . وقد نجيب ، عندها ، بدورنا قاءلين أننا لا نستطيع تخيل كوننا قادرين على إنتاج كتاب من هذا النوع بـ " إسلوب " نسوي  ، و بذا تتلقى النساء إجابة فحواها ان المشكلة تكمن بكاملها هنا : في أن الرجال لا ينغي لهم ان يكونوا قادرين على إخبار النساء ما عليهن ان يفعلن ، او كيف عليهن ان يفكرن . فهل حقيقة كوننا قادرين على كتابة هذا المقطع حواريا يعد مثالا على الكتابة النسوية التي تثبت ما ذهبنا اليه ، او ربما ان حقيقة اننا قدمنا الحجة المضادة النسوية ، بغفلة منا ، بصيغة نحوية مبنية للمجهول هو الدليل الذي يستخدم ضدنا ؟  فإذا ما كنا فعلنا ذلك بغفلة منا ، فهل نكون بذلك قد ساهمنا في نشوء ظاهرة اللاوعي النسوي ؟ و عند تحليلنا السؤال ، هل نقوم بذلك برفعه الى مستوى الإطلاع الواعي ( و بذا نكون حددنا وجهته ) ؟ ثم ، ماذا عن رغبتنا المبثوثة في هذا المقطع بأن تكون لنا الكلمة العليا ؟
          تأتي الحجج ألأخرى من المناصرين للمذهب النسوي الذين يتطرقون ، مرة أخرى ، الى الجوهرية  essentialism  في فكرة الكتابة النسوية . يبدو ألأمر كما لو ان دنيا ما هو لاوعي ولاعقلاني و عاطفي و لاتحليلي هو الذي يشغل عالم النساء ، تاركات ممارسة السلطة و المحاججة و الخطب الجماهيرية في إقليم الرجال . كيف يختلف هذا كثيرا عن تاريخ الجنساني عبر العصور ؟ و ما هو ابعد من ذلك ، فها هي  خبرة النساء الجنسانية و البايولوجية ينظر اليها مرة أخرى على انها مركزية ، لكي توجه بالأحرى بعد ذلك ، مع إفراط في التبسيط ، نحو نصية لغوية . و هي ، بذا ، تطيح أيضا بالفرق القائم بين الجنس و الجنوسة  ، الذي كان قد تحقق ، إستنادا عليها ، الكثير من التقدم  . و هذه هي المقاصد التي خرجنا بها من داخل نظرية غير مألوفة queer theory  ، حيث خضعت للتساؤل إفتراضات من قبيل إشتهاء المغاير و غيرها من ألإفتراضات المعيارية حول " ألأسلوب  " النسوي . و توجه نظرية غير مألوفة ، من هذا النوع ، ألإنتباه مرة أخرى الى موضوع تعدد الثقافات التي تشكل النسوية ( و الرجولية ) و هي ما يخدم ، في الواقع ، بالإطاحة بالإختلافات الثنائية  جميعا . إن  ألإثنية ، و اللغات ، و ألأعراق ، و المجتمعات من كل نوع تحاول جميعا ان تندمج ببعضها عند حافات تماسها لتشكل تواصلا  continua  ، و هو ما يؤدي بها فيما بعد الى ان تتآصر في تصنيفات معيارية متفردة من طريق الخطاب ألآيديولوجي السائد . و يجري تمثيل الجنسانية و الممارسة الجنسية كونهما عامل حاسم بين هذه الجماعات ( في الواقع كونهما جماعة ممارسة ، إذا ما إستعملنا مصطلحا لعلم اللغة ألإجتماعي من القسم  أ 1 ) . و تنشا النظرية غير المألوفة من عدم رضا الحاصل ، من لدن المفكرين المثليين جنسييا  gay  و المفكرات السحاقيات lesbian  ، عن ثنائية " تصنيفات الهوية  identity   " في تفسير إشتهاء المغاير للجنوسة : ما يعني ان الهوية هي شئ ينخلق و يتركب بسلاسة و يتجدد بإنتظام من خلال الممارسة اللغوية . إن في تركيبتها  الداخلية معنى حيويا يجسد البعد الذي لا مفر منه في أي تغير لغوي .
          - حاول ان تفكر بثنائيات إضافية  بالإمكان ان تصنف على انها إما رجولية او نسوية ، ثم إئتِ بإمثلة حقيقية منه تدور حول أفعال . كيف يستطيع مثل هذا التشغيل العملي للنظرية ان يغير في فهمك للموضوع ؟
          - هل تعتقد ان بالإمكان ان يكون لدينا علم لغة نسوي  feminist linguistics  ؟ و ماذا عن إيجاد علم لغة كاثوليكي او إسلامي أو يهودي ؟ او علم لغة إشتراكي او ماركسي او ليبرالي ؟ و ما هي العلاقة بين دراسة اللغة و الموقف الساسي او ألآيديولوجي الذي يتبناه عالم اللغة ؟
          - لقد تركزت الكثير من المناقشات ، ضمن علم اللغة ألإجتماعي  حول لغة النساء ، على الكلام ، في حين هدفت الدراسات ضمن التقاليد الفلسفية الى التركيز على الكتابة . ما الذي ، بإعتقادك ، تحاول كل منهما ان تقول للأخرى ؟
          - إن واحدة من النتائج التي اتى بها ألإتجاه المضاد للماهيوية  anti-essentialism  هو انه من السهولة القيام بالخطوة الصغيرة التالية لتقول ان جماعات أقلية او إثنية او عرقية معينة لا و جود " حقيقي " لها . كيف ستحاجج على طريقتك للخروج من مثل هذا الموقف      ( غير المرغوب في سياسيا ) ، دون ان تعرض للإحراج أي رأي لدعاة الماهيوية  essentialist  بخصوص العالم  ؟
          - في الوقت الذي نستطيع به ان نحاجج ( مثلما حصل في أعلاه ) بان الأسلوب النسوي يترك خلفه حلبة الخطاب الرجولي تود مفكرة من طراز سيكس ان تشير الى الطبيعة المدنية ذاتها التي يتحلى بها الأسلوب النسوي ، و تحاجج بان ما كان يعرف تقليديا كونه " تحليليا " على انه مغرض . ما هو رايك حول هذين الموقفين ؟
          - ما الذي تعتقده بخصوص قرارنا ، مؤلفين للكتب ، حول ربط النظرية غير المألوفة بهذا ألإتجاه من الجنوسة ؟


(3 )  جنوسة قـارئـة   READING  GENDER
       نقدم لك في هذه الوحدة ثلاثة قطع  passages  لتفكر بها . ألأولى مثال عن " ألاسلوب ألنسوي " ، و الثانية كتابة المرأة في سياق تعليمي . و فضلا عن التفكير في الأسئلة التي طرحناها ، عليك ان تفكر في علاقة هذين النصين ببعضهما . فما الذي يعلمانه في ما وراء ما نقترحه هنا ؟ أما القطعة الثالثة فتقدم فرصة للتفكير حول الطريقة التي نصنف بها الجنس و الجنوسة .
ألأسلوب ألنسوي
        ما يلي هو مقتطفات من مستهل مقالة موسومة : " غارات : خارجا فخارجا : هجمات / الطريق خارجا / غزوات " ، التي تحاول سيكس فيها ان تقدم " أسلوبا نسويا " :
نرى ان " النصر " دائما يفضي الى الشئ  ذاته : ما يعني ان ألأشياءتأخذ شكل هرميا . إن التنظيم بوساطة هرم تجعل من عمليات التنظيم المفاهيمي عرضة لتدخل الرجل . و يظهر ألإمتياز ، الذي يتمـتع بـه الذكر ، للحفاظ على وجوده في التعارض بين الفاعلية  activity   و  المنفعـلية  passivity . و يجـري التعـامـل ، تقـلـيديـا ، مـع السـؤال       المطروح عن الفرق الجنسـاني ، بأن يقرن بالتضاد : بـين الفـعالية و   المنفعلية .
[ ... ] إن [ الـ ] ـمرأة غالبا ما يجري ربطها بالمنفعلية في الفلسفة . و فعندما يطرح السؤال عن المرأة ، هذا يعني انه الأوان الذي يدرس فيه المرء بنيات القرابة ، حين يستحضر نموذج ألأسرة ليدخل اللعبة. و انه ، في الواقع ، حالما يطل سؤال الوجود  ontology  برأسه و حالما يسأل المرء: " ما هنالك ؟ " ، و حالما يكون ثمة معنى         مقصودا . تطل معه تجويد الرغبة و السلطة تفحص تلك ألأسئلة ، و بذا ينعاد بك الى الزراء .. الى ألأب . انه ممكن حتى ألا ترى انه لا مكان ، مهما كان ، للمرأة في الحسبان . و بالتالي ، بإمكان كلمة  " وجود  being " ان تؤدي وظيفتها بما يحول دونها و ألأم . فليس ثمة حاجة للأم ، ما دام ثمة بعض الحنان  motherliness : ما يعني ؛ انه ألأب ، إذن ، من عليه ان يؤدي الدور ، الذي هو ألأم . فالمرأة أما منفعلة أو لا وجود لها . و ما يترك لها لا يمكن تصوره أو التفكير به .
[ ... ] ثمة علاقة جوهرية بين ما هو فلسفي و ما هو أدبي ( الى الحدالذي ينقل به المعنى يبقى الأدب بإمرة ما هو فلسفي ) و ما ينزع الى مركزة القضيب  phallocentric . و يجري تركيب الفلسفة على مقدمة مفادها التقليل من قدر المرأة . إن خضوع ما هو نسوي الى ما هو رجولي يعد بمثابة أمر ، يعطي مظهرا كونه حالة       من حالات التأدية الوظيفية ألآلية .
 لقد صار ألأمر ألآن بالأحرى ملحا للتساؤل عن سر هذا التضامن بين مركزة العقل  logocentrism  و مركزة عبادة القضيب  phallocentrism– وهو ما يجلب إلى دائرة الضوء القدر المكتوب للمرأة  ، جنازتها – بما يهدد ثبات البنية الرجولية التي تحول ألأنظار عن نفسها بوصفها طبيعية في داخلها ، بأن يستحضر من ذهن النسوية    أراء و طروحات من الضروري ان تكون هدامة برأي المعقل الصامد دفاعا عن ألإستحواذ على السلطة . فما الذي سيحصل لمركزة العقل ، و للمنظومات الفلسفية العظمى ، و لنظام العالم عموما ، إذا ما تفتت الصخرة التي اقاموا عليها هذا المعبد ؟
          وإذا ما حصل ان أزف يوم رائق  فجأة و علمنا فيه ان خطة مركزة العقل هذه كانت دائما ، لإيجاد اساس ( لأيجاد وتمويل )  ، على نحو غير مقبول ، لمركزة عبادة القضيب، فإن ذلك حصل لكي يضمن للنظام الرجولي أساس منطقي كفؤ للتاريخ نفسه .
          و بذا ، سيكون التاريخ كله ، و كل القصص موجودة ، لكي تروي ، على نحو مختلف ، لان المستقبل لا يمكن التنبؤ به ، بان القوى التاريخية ، قد تغير، أو بألاحرى ستغير ألأيادي و تغير الجسد - و تفكير  آخر قد لا يخطر على بال– و ستحول وظائف المجتمع كلها . نحن نعيش في عصر يوجد فيه الأساس المفاهيمي للثقافة القديمة في داخل عملية يبدوعليها انها لم تقرر من لدن ملايين من الكائنات من نوع حيوان الخلد .
          و عندما يحصل ان تنهض  اؤلئك النساء من بين ألأموات ، و من بين الكلمات ، و من بين القوانين :
كان يا ما كان في قديم الزمان  once upon the time  .
               ( سيكس في سيكس و كلمنت 1986: 64-5 )
- تأمل الأسلوب الذي كتبت به هذه القطعة . هل هذا ألأسلوب مجونس ؟ هل قراءتك له مجونسة ؟حول ان تقارن ردود أفعالك و آرئك حول هذا الموضوع مع شخص يختلف عن جنوستك .
- إن المقصود من الأسلوب النسوي هو لمقاومة الفحص المنطقي و التحليلي ، حيث كانت الممارسات ألإستطرادية لـ " التحليل " تتقرر ، عبر العصور ، على وفق معايير رجولية . فهل يقاوم هذا المقتطف هذا النوع من التحليل ؟ و ماذا ترى انه يقول ؟ و هل بإعتقادك انه بألإمكان ترجمة هذه القطعة الى إسلوب أكثر رجولية ، و إذا ما صح هذا ، فهل سيخسر هذا النص، بإعتقادك ، أي شئ ؟
- و حتى لو جال في خاطرك ان النص ألأصلي مكتوب بالفرنسية ، فما الذي تعتقده بخصوص إستعمال كلمة " المرأة "   بمفهوم جنسي إحيائي   generic " woman " ؟ و ما هي العلاقات التي يرسمها المقتطف بين الرجال و النساء و الرجولية و النسوية والفلسفة واللغة ؟
زبـدة متدخـنـة  Crème Bruttee 
 القطعة التالية مستقاة من صيغة طهوية  recipe  كتبهتا طباخة كاتبة هي نيجيلا لوسن  Nigella Lawson  . لك ان تعتبرها مثالا عن كتابة النساء .
- تعد الصيغة الطهوية حالة تثير ألإهتمام للتفكير في اللغة و الجنوسة لأنها ، بالطبع ، تنطوي على صيغة توجيهية آمرة من صيغ الكتابة ، و ذلك لإشتمالها على حيز صغير للغموض . و مع ذلك فهي خطاب يرتبط تقليديا بالمحيط ألنسوي لما هو منزلي ، و ها هنا إمرأة تكتب صيغة طهوية لمطبخ فرنسي كلاسيكي ، غالبا ما يظن صعبا للقراء المعاصرين . تأمل مواضيع الجنوسة هذه بعلاقتها بالأداء اللغوي  للدور . و لتلاحظ ، بخاصة ، تمييز المخاطِب و المخاطَب ، و ألأسلوب الذي تجري به المحادثة .
– ثمة ، في إسلوب المؤلفة ، إستمتاع متلذذ و لمسي بالطعام و إعداده ينجر بقوة نحو المعاني الظلالية الحسية و الجنسانية و التلميح و المجازية . فما الذي تتوصل اليه من هذا ؟ هل هذه إمرأة تكتب بشكل من أشكال " ألأسلوب النسوي " ، او أنها تطابق توقعات خاصة بالرجولية ؟ و إذا كان عليك ان تترجم المجاز المستعمل الى مصطلحات ذكورية الوجهة  male-oriented ، ما هو إحتمال أن تكون القطعة مختلفة ، و ما هي ألإستنتاجات التي تتوصل اليها حينئذ عن اللغة و الجنوسة ؟
زبـدة متدخـنـة  Crème Bruttee
إن الشئ ألأول الذي لا بد لك ان تعرفينه عن الزبدة المتدخنة هو انه ليس من الصعوبة ان تعدينها .  و ثمة عدد قليل من أنواع البودنغ puddings  ( نوع من الحلوى تصنع من دقيق او رز مع لبن و بيض و فاكهة و سكر –المترجم ) ما يعد تناوله سهلا لما فيه من إغواء و إبهاج للحواس . [ ... ] . ثمة شيء يجعلك ترحبين بسلطانية كبيرة ، و بالقشدة الدسمة السلسة المليئة بالبيض تنتظر لكي تنز في الملعقة التي تخترق القرص الموجود في ألأعلى و الذي يشبه ظهر السلحفاة .
           و انت لا تحتاجين لأخبرك عن لقمة موقد لحام المعادن ؛ فهذه جرى تجربتها كفاية . و لكنها وسيلة للتحايل او فعل مجاني لعرض مسرحي : ما يعني انها الطريقة ألأفضل ، لا غير ، لذر السكر على المركب الجاهز الهش . بإمكانك ان تحصلي الآن على موقد اللحام من دكان للطبخ ؛ و ثمة شيء قد يكون مرضيا الى حد الفضول عند من تدبر أمرها .
600 ملغرام من قشدة مزدوجة      ملء3 ملاعق من سكر مذرى    
1 كيس فانيلا                       ما يقارب ملء 6ملاعق من سكر دمريرا
8 من صفار البيض
          ضعي صحن فطيرة بحجم يبلغ قطره حوالي 20 سم في مجمد الثلاجة لمدة 20 دقيقة  . إملأي حوض مغسلة المطبخ الى نصفه بالماء البارد . هذا مجرد إحتياط في حالة يبدو القستر فيها و كأنه على وشك ان يتشقق ، في أية حالة يكون عليك ان تغمري المقلاة في الماء لكي تخفقي القستر . و انا لا أريد القول انها ستتشقق – فبعدد كبير من صفار البيض في القشدة الدسمة ، ستثخن بسرعة وسهولة الى حد كاف –  و لكني ساشعر دائما  بالرضا إذا ما فعلت هذا .
          ضعي القشدة و كيس الفانيلا في قدر ذي مقبض ثم أوصليها الى حد الغليان ، دون ان تجعليها تغلي . إخلطي البيض و السكر المذرور سوية في سلطانية ، ثم واصلي الخلط ، ثم إسكبي عليه القشدة المنكهة و كل ماتبقى . إمسحي القدر ذا المقبض و نشفيه ثم إسكبي عليه مزيج القستر . إطبخيه على نار متوسطة ( او على نار قليلة ، إذا كنت خائفا ) لغاية ان يثخن القستر : ما يعني ان عليك ان تفعلي ذلك في غضون عشرة دقائق . و إذا أردت لهذه القشدة ان تكون جيدة مبهجة للحواس ، عليك إذن ألا تخطئي من ناحية التحذير الراشح . و تذكري انك ملأتي  حوض مغسلة مطبخك بالماء لكي تغمري فيه القدر ذا المقبض، بما ينبغي ان تبدو عليه و كأنها على وشك التشقق.
          [ ... ]
          إرجعيها الى الثلاجة ان أردت . و لكن تذكري ان تخرجيها قبل 20 دقيقة من تقديمها على المائدة . و هي المرحلة التي تضعي فيها السلطانية على المائدة ، ومعها ملعقة كبيرة ونهم لا يكبح ، شقيها من خلال الدرع العظمي و أحفري في نعومتها المبقعة ، حتى تصلي الى اسفل حيث القشدة المنقطة بالفانيلا . و لا داعي للكلام بعد : ما عليك إلا ألأكل .
                       ( من أطعمة نيجيلا [ لوسن  2001 : 192 ] )
الجنس و الجنوسة و الجنسانية
تتأمل إيف كوسوفسكي  Eve Kosofsky  ، في المقتطف التالي في العلاقات و ألإنفصالات القائمة بين هذه المصطلحات التي تتبادل مواقعها على نحو مشترك .
الجنس و الجنوسة و الجنسانية هي : ثلاثة مصطلحات  تعد علاقات إستعمالها و علاقاتها التحليلية فرارة من اليد على نحو لا سبيل لمعاجته . إن رسم خريطة للمسافة بين شيء إسمه " جنس  sex  " و شيء آخر أسمه " جنوسة  gender  " هو واحد من بين أكثر ألأمور التي تولاها التفكير النسوي تأثيرا و نجاحا . و لأغراض الإنغماس في هذا ألأمر ، كان  لمصطلح " جنس  " معنى يخص نوع جماعة معينة من نوع بايولوجي  من أؤلئك الذين يحملون xx  من الكروموسومات و اؤلئك الذي يحملون xy   من الكروموسومات . و يتميز هؤلاء  ( او لربما يظن انهم يتميزون ) بإزدواج للشكل في تكوينهم الجيني ، بائنا الى هذه الدرجة او تلك . منها مثلا ؛ نمو الشعر (عند مجموعات السكان المشعرة أجسامهم) ، و توزيع السمنة ، و الوظيفة الهرمونية ، و قدرتهم على إعادة ألإنتاج . إن  " الجنس "  ، بهذا المعنى ، - والذي ساميزه بوصفه   " جنسا " كروموسوميا – غالبا ما ينظر اليه على انه الحد ألأدنى من المادة الخام نسبيا التي يجري في خطوة تالية  تركيب" الجنوسة  " على اساسها إجتماعيا  . " الجنوسة " إذن هي النتاج ألإجتماعي الأكثر إحكاما ، والأكثر تفرعا الى ثنائية كاملة ، لهوية ذكورية و أنثوية ، و الى ما يتبعهما من سلوك – يخص شخصين ذكر و أنثى -  يجري في منظومة  ثقافية يؤدي فيها كل من الذكر و ألأنثى وظائفهما بوصفهما ثنائية أولية ، و ربما نموذجا ، يؤثر في بنيان و معنى العديد من ثنائيات أخرى ستكون علاقتها الواضحة بالجنس الكروموسومي ضعيفة ( شديدة الضئالة ) ، و التي ينظر اليها  ( بهذه التعريفات ) على انها تميل لكي تكون غير قابلة للتغير و  متأصلة في الفرد ، و تستند على أساس بايولوجي ، في حين يبدو معنى الجنوسة كونه شيئا يتحول ثقافيا ، و متنوعا ، و عقلانيا بالغا ( بمعنى ان كلا من الجنوستين المثناتين تعرف اساسا كلا منهما  عبر علاقتها بالآخر ) و عبر صيغة معقدة لتاريخ فوارق القوة بين الجنوستين .[ ... ]
و " الجنس  " هو ، من ناحية ثانية ، المصطلح الذي يمتد على نحو غير محدود الى ما وراء الجنس الكروموسومي . ذلك ، لأن تاريخه في الإستعمال غالبا ما يتداخل مع ما  يسمى على ألأرجح الآن بـ " الجنوسة " ، فيؤدي الى وجود هذه المشكلة الوحيدة .      [ ... ] و توجد فيما وراء الكروموسومات  ، من ناحية ثانية ، تلك العلاقة التي يقيمها  " الجنس " بدقة ، من خلال الجسد المادي  ، مع الفعالية التناسلية  genitalو ألإحساس ، بما يحافظ على تقديم تحديات جديدة للوضوح المفاهيمي ، او حتى لإمكانية التفريق بين الجنس و الجنوسة . [ ... ]
و في الوقت الحاضر ، إن عالم ما تشير اليه الثقافة الحديثة ، بما تسميه " الجنسانية " و تسميه ايضا " الجنس " – ترتيب ألأفعال ، التوقعات ، السرديات ، المباهج ، و معلومات الهوية ، و المعارف عن النساء و الرجال على حد سواء – كله يميل الى الإنعقاد بكثافة حول إحساسات تناسلية معينة ، و لكنه لا يجري تعريفه بها على نحو ملائم –  من المستحيل إن نضع ذلك العالم عمليا على خارطة يحددها ما يجري تعريفه نسويا  على انه إختلافات بين الجنس و الجنسانية .
                  (  سيجويك Sedgwick  في ليتش  Leitch  2001:2438-9 )
- من أجل إستقصاء الكيفية التي تستعمل بها المصطلحات الثلاثة ، قد يكون عليك البحث عنها باستعمال برنامج فهرسة حاسوبية ( و هذه متوفرة في ألإنترنيت بكثرة ) . أو قد يكون بإمكانك إكتشاف طريقة إستعمالها المختلفة عندما تقارن بين سياق أكاديمي و سياق آخر أكثر شعبية ، مثاله مجلة أو ملحق جريدة ليوم ألأحد .
- ثمة تقاطع بين المصطلحات ، بخاصة في علم اللغة ، حيث كانت " الجنوسة " تستعمل تقليديا أيضا على انها باب من أبواب النحو لأنواع الأسم  noun  ( مذكر ، مؤنث ، و أيضا محايد ، في بعض اللغات ). إن دارسي السنة الأولى لهذه اللغات غالبا ما يجري تنبيههم بأن " المحايد " neutral  في الجنس و الجنوسة لا يتشابهان ( الفرنسية ، مثلا  ، فيها  " la barbe  " المؤنث مقابل "  bread  خبز " ) – فهل تستطيع ، من ناحية ثانية ، إكتشاف فيما إذا كانت الإختلافات النحوية للجنوسة هي أيضا تحمل في الواقع إرتباطات واهية من نوع جنس / جنوسة عند المتحدثين بهذه اللغات ؟ عليك هنا ان تقابل متحدثين أصليين بهذه أللغات ، لكي تحصل على ما يفكرون به في هذا الجانب .
- حاول ان تفكر بالطرق التي تبرز بها الجنوسة و الجنسانية و كيف يجري أداؤها . و كتجربة ميدانية ، عليك ان تأخذ شارع تسوق صغير في بلدتك أو مركز تسوق في المدينة ، فتسير على طوله ، مدونا كل ملمح في الشارع مما له علاقة مهما كان نوعها    بالجنوسة أو الجنس . فما هي نوع الرسائل الجنوسية قد تحصل عليها ، و كيف يجري إستعمالها ؟
(4)  الجنوسة GENDER
إن ألإطلاع على هذا المجرى من الموضوعات حول الجنوسة و اللغة يوسع الموضوع لكي يدخل في المجال الكامل للغة ، و الهوية ، وتدخل السياسة باللغة . ففي كتابها الموسوم           " الصحة اللفظية   Verbal Hygiene  " تضع دبورا كامرون  Deborah Cameron       ( 1995 ) التدخل النسوي في اللغة في سياق خطاب مبسط حول اللغة . و يستعمل مصطلح    " الصحة  اللفظية "  ليمثل كل تلك الممارسات ألإستطرادية التي تهدف الى التدخل في منظومة اللغة و ممارستها ، من أجل " ترتيبها  tidy it up  " او تنظيمها . و هي تتعرف على المساواة المجازية بين النظام ألإجتماعي و النظام اللغوي ، الى حد انها تقول إن وضع اللغة " في نظام " يعد من الناحية السحرية وسيلة لجعل المجتمع أكثر إنتظاما .
حول التوتر الذي يصيب منزلة اللغة 
ديبورا كامرون
 ( أعيد طبعه من كتاب  الصحة اللفظية ، لندن : روتج ، 1955ص ص214-19  )
إن سردياتنا المبتذلة عن اللغة هي نفسها نوع من العادات الصحية اللفظية : انها قُضَمٌ من خطاب وظيفته ترتيب الفوضى الموجودة في الظاهرة اللغوية و محاولة وضعها في صيغ دقيقة تعج بالمعنى ؛ ما يعني انها ليس لها ان تكون متساوقة أحدها مع ألأخرى من أجل إنجاز وظيفتها . و انا لا أشك في حاجتنا لقصص حول اللغة ، توازي بالضبط حاجتنا لخلق أساطير  myths  و لإيجاد منظومات تصنيف للنباتات ، و نظريات حول أبعاد الكون او لأسباب ألأمراض ، من أجل ان نحصل على فهم أفضل للعالم الذي نعيش فيه . غير اني أعتقد حقا انه في حالة اللغة اننا نتشبث بعناد بالقصص التي تحرف و تلغز اللغة أكثر مما توضحها .
ضد الطبيعة
إن القصص التي تقدم اللغة على انها إبتداء مجرد ظاهرة " طبيعة " ما هي إلا قصص تثير لنا العديد من المشكلات ، سواء أكانت مكتوبة برطانة علمية من لدن خبراء ، او بالعامية التي تتميز بها الكليشهات الشعبية . إن ماتحرفه هذه القصص و تلغزه هو علاقتنا باللغة ، و المدى الذي تبلغه مسؤوليتنا في صياغة اللغة . و تعمل قوى الطبيعة ، في هذا ألأمر ،دون إلتفات لما يقوله ألإنسان ، او يفعله ، او يعتقده بخصوصها ( فالتفاحة سقطت قبل نيوتن ، و المطر يأتي ، او قد لا يأتي سواء علمت ذلك من ألأقمار الصناعية ، أو صليت الى الآلهة لكي يأتي ) ، غير ان الممارسات ألإجتماعية لا تعمل على هذا النحو التلقائي ، حتى لو كانت في أعلى درجات تقيدها بالعادات او كانت طائشة . إن إستعمال اللغة ما هو إلا ممارسة إجتماعية : مايعني ان الناس يعتقدون ان اللغة هي ، او يجب ان تكون ، مختلفة بالطريقة التي يستعملونها بها ، و بذا يلتفتون الى ما تؤول اليه .
و قد نعقد ولاء كاذبا للفكرة القائلة ان اللغة هي " شيء حي " ، منيع بوجه جهودنا الرامية لبسط سيطرتنا عليها ، و مع ذلك [ ... ] يكذب الكثير من سلوكنا رطانة من هذا النوع . إن فكرة " الطبيعوية    اللغوية    naturalness " الغامضة ، و هي ما ينشره الناس الى مدى بعيد ، ما هي إلا محاولة لإرضاء الحاجات ألآنية . فإذا ما كرهوا تغييرا معينا ، مثاله فقدانهم للفاصلة العليا  apostrophe  او للوقفة الزردمية  glottal stop ، فانهم سينسون على نحو ملائم ان هذا التغيير المقصود به ان يكون " طبيعيا " ، ومن ثم يتطلب ألأمر التخلي عنه ؛ و بالعكس فيما إذا كان موضوع إستهجان فسيعد ، بوضوح على انه ليس تطورا " طبيعيا " –  و لنقل ، إذا ما كان ذلك ، فإنه واحد من المتطلبات النسوية لإيجاد "لغة لاجنسانية"  non-sexist language " – و سيقوم معارضوه بنقده بوصفه تدخل غير مسموح به بالطبيعة .
و الحقيقة هي اننا نتدخل في اللغة دوما ، سواء أكان بدعم مما نعيه على انه الوضع الراهن او للسعي وراء شيء مختلف  . و اننا مقتنعون بأن [ ... ] " بعض أنواع اللغة هي حقا جديرة بألإهتمام أكثر من غيرها " ، و نحن نتصرف بإنتظام على أساس هذا ألإيمان الراسخ . فنحن نفكر و نتجادل بخصوص الكلمات التي نتعلمها  ، و نصحح كلام أولادنا ( و طلبتنا ) و كتاباتهم ؛ ثم نحاول ان نتأكد مما نستعمله بنظرنا في دليل ألأستعمال اللغوي و في المعاجم ، و بعضنا حتى ينمي عنده قوة الكلمة بالإستعانة بما يعلمنا كيف نهضم الكلمات  Reader's Digest   ، في حين يأخذ آخرون دروسا في الإلقاء  او في برامج علم اللغة العصبي  Neurolinguistics  ، او ألإنتظام في جماعات تكرس وقتها لعلل لغوية من قبيل إصلاح التهجي ، او لتعلم  لغة إسبيرانتو  Esperanto  و لغة كلنغون  Klingon  . إن نشاطات من هذا النوع يكون من الصعوبة ألإحاطة بها من طريق تفسير مبني على المبدأ القائل ان إستعمال اللغة يعد طائشا مثلما هو هضمها ، وإن التحولات الحاصلة على اللغة هي طبيعية  مثل التحولات التي تحصل على وجوه القمر .
الى الحد الذي نستطيع به ان نتعرف على " حالة اللغة " ، علينا ان نقر انها ليست مجرد ظاهرة طبيعية ، نندهش بها عن بعد : ما يعني ان أفعالنا كانت قد أدت دورا في وجودها ، و ستؤدي أيضا أدوارا في الحفاظ عليها او في تحولها ، و يجب ان نقر ، من ناحية ثانية ، بان هذه ألأفعال لا تعكس إهتماماماتنا فحسب ، بل انها ايضا تعكس قناعاتنا حول  اللغة ، ما معناه ان دوافع أخرى تؤثر في ألأشياء التي نفعلها ، او ننوي ان نفعلها ، باستعمال الكلمات . 
الوظائف ألإجتماعية للصحة اللفظية
قلت [ في وقت سابق ] إن الصحة اللفظية تنشأ من رحم الخاصية المعيارية للإستعمال اللغوي بوصفها نشاطا إجتماعيا إنسانيا . إن نزوعنا الطبيعي لأصدار أحكام نقدية تأملية عن إستعمال اللغة له فائدة مرجوة في عملية التواصل – بان يمكننا ، مثلا  ، من  إصدار حكم ما عندما  نجد شيئا خاطئا  في تفاعل وأداء ما يسميه تحليل الخطاب بـ " التصليح  repair  "  ، و لنتعرف و نفسر المجاز و صيغة التهكم ، و نقولها بعبارة شبيهة بالتي يستعملها اللغويون : وعموما لخلق         " إستعمال لا متناه بوسائل متناهية " . و في الوقت ذاته انه لشيء بائن لنا ان الممارسة التي كنت قد ركزت عليها [ ... ] تنشرقابلياتنا النقدية التي ما وراء اللغة لأغراض ليست بالضرورة ، او بالأساس  ، لها علاقة بأعمال اللغة  .
إن واحدة من وظائف الصحة اللغوية هي لمجرد التسلية . فالإهتمام باللغة و ألإبتهاج بها لغاية لذاتها هو نوع من دافعية مشتركة ، و في حالات تكون لهذه الغاية فقط . إن ظاهرة لغة كلنغون هي حالة بارزة في هذه الناحية ، و هي لغة تعود الى الأستحواذات السحرية المدهشة للستر المقلنسة الموصوفة في فاتحة هذا الكتاب ( كتاب كامرون ) . يلاحظ كاري دولان Carrie Dolan (1994 ) ، مراسل وول ستريت جورنال ، وجود رسائل كلنغون ألإخبارية و جماعات كلنغون للمحادثة على ألإنترنيت  و على شرائط التسجيل تحت عناوين من قبيل : " كلنغون تحادثي "  و " كلنغون آلي " ، ثم يقطف من متحدث رسمي بإسم مؤسسة لغة كلنغون يدافع فيه عن حماس الناس تجاه أشياء مثل  : " ليس ثمة ما هو أغرب من توافه الرياضة ، او معرفة تفاصيل مكائن السيارات التي لم تكن بعد قد صنعت في 20 عاما " .
و حتى لو كان هذا هو المثال ألأغرب ، مع ذلك ، فهو يلمح الى وجود دوافع إضافية ، و ربما  " أعمق " . فإذا تفشى أنجيل كلنغون بين زمرة من الناس سيبدو سخفه قبل أي شيء شبيها بسخف جدال يدور بين الهنود الكبار و الهنود الأقزام في رحلات جليفر  Gulliver's Travels   . و قد تلاحظ ، على الرغم من ذلك  ، بان هذه الخاصية الفعلية هي موضع النزاع في  المناظرة – انها أساسا سؤال عن التكافؤ بين مختلف وجهات النظر إزاء العالم – بوصفها جزء من نقاش طويل ألأمد له تطبيقات مبتذلة لا يوجد من يدعمها على كوكب ألأرض . و لقد جرت ألإشارة مرارا الى أن روايات الفضاء ، مثل : رحلة عبر النجوم   Star Trek ، هي في جانب منها قصص رمزية أخلاقية و سياسية . و على النحو ذاته يقدم مشروع كلنغون طريقا لإستكشاف المواضيع المثيرة للنزاع تخيليا و لكنه لا ينطوي على مخاطرة .
ثمة هنا تناظر، ربما في المناقشات حول  القواعد grammar  و" التصحيح السياسي " [ ... ] : و لقد زودتنا المناظرات حول اللغة ، في كلا الحالتين ، بطريقة رمزية نعنون بها التعارضات حول العرق ، و الطبقة ، و الثقافة ، و الجنوسة . و انه لصحيح ان هذا التوظيف الرمزي للغة يميل الى إبهام المصادر الحقيقية للخلاف و الإزعاج . و انا هنا لا أدافع عن ذلك ، و لكني ببساطة أريد الإشارة الى ان واحدة من الوظائف العامة للمناظرات حول اللغة  هو للمشاركة في مناظرات حول مواضيع ينفر الناس من التطرق اليها مباشرة .
إن لمشروع كلنغون وظيفة مهمة إجتماعيا : و هي انه إذا ما غاب المجتمع الذي يتحدث لغة كلنغون بالمعنى ألإصطلاحي ، فإن تكاثر الخطاب حول لغة كلنغون ، سيؤدي على الرغم من ذلك الى إيجاد مجتمع من نوع آخر ، مجتمع يجد فيه بعض الناس شبكة إجتماعية داعمة ، او على ألأقل إحساس بألإنتماء الى بعض الجماعية . و يعد هذا الخلق للجماعة وظيفة من وظائف العديد من التسليات الحمقاء الجلية ، بما تنطوي عليه من أدوات إجتماعية للرسائل ألإخبارية ، و ألإصطلاحات و لقاءات المقايضة ، و ما الى ذلك ، ما يعني انه ليس شأنا هينا في مجتمعات ، لم يعد صعبا فيها الحفاظ على أعداد متزايدة من ألصيغ التقاليدية . إن العديد من ممارسات الصحة اللفظية [ التي قمت انا ] بفحصها [ ... ] تدور في جانب منها حول خلق جماعات و شبكات إجتماعية يستطيع بها ألأفراد ألإرتباط ، مجتمعين فيها من خلال إرتباطهم بمشروع مشترك .
إن فكرة الإنتساب الى مجتمع ، اوالى جماعية من نوع معين له مظهره  ألآخر ( ليس معكوسا : لأنه وجهان لعملة واحدة ) في فكرة الهوية الفردانية ، و هذا ايضا مهم في فهم الصحة اللفظية . لنأخذ [ قصة ] لسجينة من الطبقة العليا ، تتشكى فيها من السجينات ألأخريات " تشوييهن للغة ألإنكليزية " . فهي تريد من جمهورها ألتصديق بانها ولدت دون إذعان لفكرة فقدانها حريتها ، و ألإذلال الذي تعانيه هنا ناجم من كونها صنفت مجرمة ، ما حرمها من خصوصيتها و حياتها الفاخرة ، و أنفصالها عن أشياء تحبها ، و بذا يكون عليها تحمل النساء ألأخريات  في لفظهن للوقفات الزردمية  و شقهن للمصدر اللغوي في حديثهن (هذه ألأمثلة منهن و ليس مني ) ما أدى بها الى إرتباكها . فما الذي علينا فعله تجاه زعم من هذا النوع ؟
ان أكثر التفسيرات الواقعية وضوحا ، لما لاحظته هذه المرأة هو قصة ما هو" حقيقي " حول الطبقة ألإجتماعية . إذ يعد نزلاء السجن من شرائح الناس الأسحق فقرا ( و هذا هو ما يجعل من قصة سجينة الطبقة العليا من أكثر ألأخبار أهمية في المقام ألأول ) : و بذا تكون قصة هذه المرأة حكاية أمرأة نبيلة المحتد تعرضت لضغوطات الإستعمال السيء لقواعد اللغة و الأسلوب غير المتقن ، ما أوقعها في محنة فعلية بأن أجبرت على ألإنخراط  في جماعة ممن هم أدنى منها منزلة ، و عوملت و كأنه لا شيء يفرقها عنهم . إنه من الممكن ان تكون إستوعبت فعلا خسرانها لمكانتها الطبقية على انها من أكثر ألأمور إذلالا ( على الرغم من إحتمال انها أدت بإتقان نمط إمرأة من الطبقة العليا بوصفه تصرفا غريبا جريئا تستفيد منه الصحافة ) . و مع ذلك ، فإن ألأمر يصبح ذا مغزى عندما تأتزر المرأة باللغة بوصفها علامة على ألإختلاف الطبقي . فهي في نشرها للطريقة التي تنبعث بها الروائح من شريكات زنزانتها بدلا من الطريقة التي يتحدثن بها ، قد بدت و كأنها ليست أكثر من نموذج لإمرأة تصدمنا بتكبرها على ألآخريات من جنسها . و مع ذلك ، فثمة في هذا السياق من التعويض الميلي تبدى بصيغة صحة لفظية و ليس بصيغة صحة شخصية ، ذلك لأن اللغة غالبا ما تنعكس رمزيا بمجموعة كبيرة من المعاني الدالة ، و تقاوم إختزال أية منها عند الحاجة .
إن إهتمام النساء بالوقفة الزردمية و بشق المصدر اللغوي ينبغي ألا نقرأه معزولا على انه قضية طبقية . إنه أيضا إهتمام بالإحتفاظ بنظام العالم و تماسك الذات تجاه قوى اللانظام و التشظي . إن إصرار المرأة على ألحفاظ على معايير الوظيفة اللغوية في قصة السجن هذه يشبه بكثير مجرى الممارسة اليومية أو كيفية ان تؤدي دراسة الإنجيل وظيفتها في تفسير تصرف سجين من نوع آخر ؛ مثل شيء يفعله الناس في ظروف قاهرة و معادية لمحاولة إستعادة توازن للكرامة و إحترام الذات كانوا يقييمونهما في حياتهم " العادية " السابقة . فلقد قدم خطاب الصحة اللغوية لإمرأة الطبقة العليا للفظ إستجابات متناقضة : ما يعني انها إستطاعت على مستوى معين ان تستعمله للتعبير رمزيا عن حزنها على إغتصاب إحساسها بذاتها المتمثل بسجنها ، في حين انها في مستوى آخر إستطاعت ان تعلم الفرق بينها و نزيلات السجن ألأخريات ، و بالنتيجة  ان تبدي قدرتها على السمو فوق مظاهر الإذلال " الحقيقية " التي تجلت في حياة السجن .
و تعلم الصحة اللفظية في قصة السجن صيانة النظام و المعنى في حياة فرد واحد ؛ و لكنها ، مثلما رأينا ، بألإمكان ان تتوجه الى إهتمامات موازية على المستوى الأوسع للمجتمع  . إن قواعد ألأسلوب ، و قواعد النحو ، و إصطلاحات اللغة الصحيحة سياسيا ، و معايير التواصل  " الجازم " و  " الفعال " ، جميعها لها وظيفة ( من بين أشياء أخرى ) و هي ترتيب حالات الواقع المتسمة بالفوضى و المشاكل .  و القواعد غالبا ما توجد إختلافات رئيسة من قبيل : حقيقي  / زائف ، و جيد / رديء ، و صحيح / خاطئ ، ثم تصر على ان هذه ألإختلافات هي مطلقات تصنيفية ، و ليست من قضايا الرأي او مجرد إصطلاح إتفاقي ، و ليس أحكاما طارئة بإمكانها ان تختلف مع إختلاف السياق . و بذا ، تعد بعض التعبيرات محايدة ، و أخرى متحيزة ، و بعضها صحيح و غيرها خاطئ  [ ... ] فإذا كانت المباشرة و الشفافية تعد فضيلة في سياق ما ، لا بد انها تعد من الفضائل في جميع السياقات . إن إشاعة الفوضى و ألإرباك  و الشك قد تكون ، من الناحية النسبية ، جانبا من جوانب الحياة ، غير اننا نستطيع ، إذا ما حاولنا ، ان نطرحها جانبا من محيط اللغة الأكثر طواعية . و تنطوي كلمات الأستاذ قواعد  Professor Grammar  على شخصية مضجرة تخاطب متعلمي اللغة ألإنكليزية ألأجانب على شبكة الخدمة ألإخبارية العالمية  BBC في قولها " ثمة قاعدة لكل شئ " . و في حالة عدم وجودها سنعمل على أيجاد واحدة .
إن الرغبة ألأساس التي تلجأ إليها الصحة اللغوية هي هذه الرغبة في النظام ، و إن الخوف الأشد هو ان هذه الصحة اللغوية يستعمل في صدها خوف مواز من اللانظام . إن اللغة المنمقة للمحافظين المؤيدين لنزعة القواعد [ ... ] تترجم هذا ألإقتران بين الرغبة و الخوف بصيغة حرفية تثير الذهول ، يتمثل في الجزع من التمرد على القانون في أوساط شباب الطبقة العمالية ، و في أوساط الناس المتحيرين الخائفين المحبين للإنتقام الذي نصادفهم عن مارلين باتلر  Marilyn Butler  [ وفي وقت سابق صادفناهم في كتاب كاميرون ] الذين أوقف تحقيق  آمالهم على دراسة قواعد اللغة . على قانون قواعد اللغة و نظامها على انه بديل عن الشيء الحقيقي .
إن الرغبة في النظام و الخوف من الفوضى يتجليان في أشد حالاتهما إثارة للإعجاب في مثال قواعد اللغة ، و مع ذلك فهما عرضة للتمييز في أماكن أخرى أيضا : أعني ؛ في المغالاة في المعايرة عند ممارستهما  ، مثلا ، من لدن منظري الإسلوب حيث ياخذ الميل الى التنظيم صيغة سعي لا ينتهي لجعل القواعد أساسية و شاملة ، بأن تضع النقاط على الحروف   ( و انه لأمر مشوق ان نستعمل هذا التعبير المجازي ، لكونه يستعمل بالتحديد في " الكتابة " لنعلم به هاجس النظام بلغة اكثر عمومية ) . و يتجلى الخوف من الفوضى في مقاومتنا لأنواع معينة من تحولات اللغة ، أو ما يسمى لغة " لائقة سياسيا  politically correct " بوصفها مثالا بارزا في هذا الموضوع . إن ما يبعث على الخوف ، في هذه الحالة ، على وجه الخصوص هو إنحلال معايير مشتركة في إستعمال اللغة ، و هو ما يبعث شبح إنحلال التواصل بين البشر .
و إذا ما أخذناه حرفيا ، إن هذا الخوف لا أساس له . فالبشر نجحوا دائما في تحقيق تواصل يضمن مصالحهم المتبادلة لتحقيق مقاصد متنوعة  على الرغم من غياب لغة مشتركة بينهم ، و إن اختلافاتهم التي تثير لديهم قلقا أشد تعد في جميع ألأحوال تافهة ، من الناحية اللغوية ، و لا تشكل اي تهديد جاد للتفاعل الجاري بينهم . غير ان ما يشكل أساسا لخوفهم ليس هو الخوف حرفيا من كونهم غير قادرين على ان يكونوا مفهومين من لدن ألآخرين . إنه بالأحرى الخوف من ان المعاني التي ترسي عليها وجهة نظرك عن العالم ، آخر ألأمر ، قد لا يشاركك بها كل الناس ، و هي بدورها تعبر عن خوف أعم و أشمل من ألإختلافات و الآخرية  otherness  و النسبية .
مواضيع للتفكير
- إن المقدمة ذات ألأساس المنهجي للكثير من الممارسة ألأكاديمية هي انها إبتداء يجب ان تكون وصفية ( و يصح هذا بخاصة على حقول المعرفة تلك التي يعجبها ان ينظر اليها على انها علمية و تحليلية ) . و هذا ما جرى تفسيره غالبا على ان الكاتب عليه ألا يشارك في الظاهرة الموصوفة ، إن الكثير من التفكير النسوي يأخذ ، بالطبع ، الموقف المضاد : ما يعني اننا بوصفنا مستعملي لغة تقع علينا مسؤولية سياسية و هي التدخل في اللغة . ما رايك بهذا ألأمر ؟
- قد يقال ان النساء كان عليهن ان يتعلمن الكتابة مثل الرجال عبر العصور ، و بذا يكن " ثنائيات ألإتقان  biliterate  " . و لم يكن على الرجال تعلم المهارة ذاتها . هل من الممكن الاعتقاد ان الرجال بإمكانهم الكتابة مثل النساء ؟ و هل يوجد مثل هذا الذي يقال عنه انه نص رجالي او نص نسوي ؟ هل نستطيع ان نميز بين ملامح ألإثنين ، لنحاول من ثم العثور على نصين يكونا مثالين للحالتين ، او لنحمل ان تكتب انت نفسك واحدا .
- هل بالامكان إكتشاف ما تستطيع ان تكتشفه عن ألإختلافات المعرفية البارزة بين دماغي ألذكر و ألأنثى . هل ثمة ما يعد شيئا طبيعيا في الطرق التي يفكر بها الرجال و النساء و طريقة إدراك كل منهما لعالمه ، ام انها في الواقع ممارسات إستطرادية يجري إكتسابها و أداءها ؟
- هل بالامكان تصورالحد الذي تذهب اليه اللغة في تشكيلها للواقع . هل تعد صيغ خاصة في التعبير مقصورة على قوالب إختياراية للتفكير ؛ بما يعني انها تعزز قوالب معينة للتعويد  habituation  ، أو هل لا بد ان تأخذ عوامل أخرى من خارج اللغة موقعها الى جانب قوالب اللغة ؟ و  قد يكون علينا التفكير بأمثلة عن لغة "  لائقة سياسيا " تسهل لك ألأمر .

a_kh_shalan@yahoo.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق