بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 5 أكتوبر 2016

مراجعة في كتاب: نساء و أطفال: قضايا الحاضر و المستقبل

A book review
                   Women & Children:
                                Present and Future Concerns
Reviewed by: Ahmed Khalis Shalan
(A book by Dr. Pro. Sami Mahdi Al-‘Azawi- Al-Sabah Journal May, 2010)
                                             
مراجعة في كتاب ...
نساء و أطفال: قضايا الحاضر و المستقبل                                                     
 مراجعة: احمد خالص الشعلان
 (منشور في جريدة الصباح- مايس 2010) 
Prof. Dr. Sami Mahdi Al'Azawi
                                 A. Kh. Shalan                                      
على الرغم من كل ما تعتمل به هذه الحقبة من مثبطات و معوقات، منها ما هو طبيعي ومنها ما هو مفتعل، أمام الجهد المعرفي الهادف إلى معرفة واقعنا، بخاصة في مجال الجهد الأكاديمي، يبرز لنا بين الحين و الآخر، من الأشخاص المميزين، ليذكروننا بأننا ما نزال أحياء، و بذلك تقع علينا مسؤولية أن نعيش أحياءً بحق. و "أن نعيش أحياء" تعني من ضمن الكثير الذي تعنيه أن نتعرف تعرفا أفضل على ما يدور حولنا (أوليست هذه هي أحد الدوافع الأولية التي عرفناها في ما أصطلح على معرفته بـ "هرم ماسلو؟). و ما أكثر ما  نجهل؟ . . بخاصة في سياق ما تعانيه "اليوم نساء و أطفال" العراق، و هو لا يختلف، إن لم يكن أسوأ، عما عانته نساء و معهن أطفال العراق، من إستبعاد على كر الأزمنة التي مضت و من عصف و تعسف في مجتمعنا ذي القيم لأبوية التي أرست قاعدتها العقائد الدينية على إختلاف أنواعها، التي يجري تصويرها لنا على أنها أبوية سرمدية إلى ما شاء لها الزمان أن تدوم. و هذا يعني أن المرأة و الطفل هما دائما يجب أن يكونا ملكية أحد ما، يكون هو صاحب تبعيتهما! و يعني بالنتيجة أن تقوم المرأة و الطفل، طوعا أو كرها، بدور ماص الصدمات، الذي يقع عليه تبعات كل حدث جلل. فالرجال في مجتمع مثل مجتمعنا، لهم دور في الأحداث مهما صغر شأنهم، في حين تتولى النساء و الأطفال دوما دور تلقي ما تفرزه الأحداث من عصف و تعسف سببه جماقة الرجال، دون أن يلتفت أحد الى ما يجرُّه هذا العصف و التعسف من خراب لا في المنظومة السيكولوجية للمرأة والطفل فحسب، و إنما أيضا في منظومتهما القيمية . . و يصح هذا على أوضاع المرأة و الطفل في مجتمعات البلدان التي هي من شاكلة مجتمعنا في أوضاعه العادية . . فكيف، إذن، و قد تعرض مجتمعنا، منذ التاسع من نيسان 2003، لا الى زلزال واحد فحسب، بل الى حزمة من الزلازل جاءت فرادى و متداخلة، أضافت لبؤس الطفولة في مجتمعنا بؤسا مركبا، و أضافت على حرمان المرأة حرمانا مركبا.
و إذا أراد القارئ أن يتعرف بموضوعية و واقعية على حجم هذا الخراب الذي حل على نساء و أطفال العراق، فإن إحدى قنوات التعريف هذه قد يكون كتاب "نساء و أطفال ... قضايا الحاضر و المستقبل" لمؤلفه برفسور د. سامي مهدي العزاوي.

يكتسب هذا الكتاب أهميته من مصادر عدة.
أولها . . هو أن مؤلفه هو رئيس مركز أبحاث الأمومة و الطفولة التابع لرئاسة جامعة ديالى . . و يكاد هذا المركز ألا يكون مركز الأبحاث الوحيد في هذه الجامعة الفتية فحسب، و إنما هو أيضا المركز البحثي الوحيد و الفريد من نوعه في جامعات البلد قاطبة.
ثانيها . . هو أن هذا المركز كان قد تأسس على يد مؤلف الكتاب نفسه أ. د. سامي العزاوي منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي على مستوى وحدة وليس مركزا. و المفارقة الكبرى هو أن هذا المركز كان قد حصل على إهتمام من خارج البلد يفوق الإهتمام الذي حظي به في داخل البلد.       
ثالثها . . هو فقر الأداء الأكاديمي، الذي إعتاد عليه أكاديميونا منذ زمن طويل، الذي يكون تأليف الكتب هي واحدة من متطلباته مثلما هو متعارف عليه، بحيث تحول أغلب الأكاديميين، مع إستثناءات نادرة، الى مجرد موظفين يتطلعون الى يوم الراتب.
      رابعها . . إن تأليف هذا الكتاب و طبعه و توزيعه، و هي مهمات قام بها المؤلف بجهده الشخصي وعلى نفقته الخاصة، جاء في ظروف قاهرة، معروفة للقاصي و الداني، مرت بها جامعة ديالى . . و مع ذلك فهي ظروف لم تـُثنِ مؤلف الكتاب عن القيام بواجبه الأكاديمي.

     و لقد بلغ الإيثار بهذا الأكاديمي الفذ أن يضع الإهداء التالي في أول صفحة من الكتاب بما يحمله من دلالات  صريحة و موحية في آن:

الى الشهداء الأحياء ... الأطفال الذين فقدوا آباءهم و لم يبلغوا أشدهم ...الأرامل اللاتي فقدن أزواجهن و هن في ريعان الشباب!

فهل ثمة أبلغ من هذا، بما يحمله الكتاب من مضامين، نقوله عن وضع النساء و الأطفال؟

           قدمت لهذا الكتاب د. فوزية العطية الأستاذة في قسم علم الإجتماع في كلية الآداب/ جامعة بغداد، بكل ما تحمله هذه الشخصية النسوية الفذة من ثقل و خبرة في مجال العمل النسوي، فضلا عن عن نشاطها الأكاديمي المتميز المرموق.

          يضم الكتاب بين دفتيه عددا من البحوث و الدراسات عن وضع الأمومة و الطفولة في العراق، بما كانتا تعانيانه من قصور في الرعاية و تقصير في توفير المستلزمات الإنسانية قبل إحتلال العراق عام 2003، و تفاقم هذا التقصير و القصور بعد إحتلال العراق بسبب غياب الغطاء الإنساني لهاتين الشريحتين من شرائح المجتمع، بغض النظر عن موقعيهما الطبقيين، و لكن مع تركيز على اوضاع الأمهات و الأطفال الذين يعانون من إستبعاد و إقصاء، بوصفه محصلة من محصلات الصراع على مراكز النفوذ و الثروة. و قد تميزت بعض البحوث و الدراسات بتعضيد من طريق تضمينها إستبيانات و إستطلاعات و جداول إحصائية تعزز النتائج التي توصل إليها الباحث. و بإستطاعة المرء، عند القراءة، أن يكتشف أنه على الرغم من أن الباحث حدد مجتمعات بحثه بنساء و أطفال ديالى (بعقوبة حصرا) إلا أن النتائج بالإمكان تعميمها على أمهات و أطفال العراق عموما بسبب تشابه الظروف التي مرت بها مناطق العراق قاطبة قبل نيسان 2003 و ما بعده مع إستثناءات شاذة.

          ففي بحث عن محددات تشكيل ثقافة الطفل تناول الكتاب هذه المحددات لثقافة الطفل العرقي خاصة و العربي عموما، فتوصل الباحث الى أن التلفزيون يحتل المرتبة الأولى في تشكيل ثقافة الطفل، بما يحمله هذا المصدر من مخاطر تتمثل بغياب التوجيه  بسبب أمية الآباء و الأمهات و جهلهم الى جانب عوامل أخرى، قد تكون كارثية على نمو شخصية الطفل.

           و في بحث عن محددات إختيار الطفل العراقي لمهنة المستقبل توصل الباحث الى جملة من التوصيات بهذا الشأن ملخصها هو أن يجري تبصير الطلبة في المرحلة المتوسطة بقدراتهم و إستعداداتهم و دفعهم الى المشاركة في ممارسات و أنشطة تساعدهم على إكتشاف عالم العمل فضلا عن السعي الى تأسيس علاقة بين أرباب المهن و المدرسة الى جانب الدعوة إلى تفهم الأسرة لحقيقة قدرات الأبناء.

          و في بحث عن إساءة المعاملة التي يتعرض إليها الأولاد من قبل الوالدين، فيختم الباحث بدعوة الآباء و الأمهات الى نبذ نهج الإهمال و سوء المعاملة مع الأولاد لأن الأسرة لها "...الدور المهم و الخطير في تشكيل شخصية و ثقافة الطفل ... و أن هناك علاقة مباشرة و واضحة بين ظروف تنشئة الطفل و متغيرات سلوكه و شخصيته."

          و في ظل غياب الممارسات التربوية، من حيث أنها صارت في الغالب لاتربوية، هذه الأيام في المدارس العراقية عموما يكتسب البحث الذي ضمه الكتاب، الموسوم "الممارسات التربوية للمعلم المرشد لتحقيق إتفاقية حقوق الطفل"، أهميته الخاصة من كونه يؤكد على ضرورة إستناد البرامج التربوية على حقوق الإنسان. و هو ما يساعد على بناء إتجاهات نفسية إيجابية عند الطفل نحو نفسه و نحو الآخرين و قد توصل هذا البحث الى نتائج، من بينها أن ثمة العديد من الممارسات التي يقوم بها المعلمون والمعلمات في المدارس العراقية فيه مما يـُعد خرقاً لإتفاقية حقوق الطفل على هذا النحو او ذاك. و أشار الباحث في توصياته الى ضرورة أن تسهم التربية في خلق نهج يستند الى مراعاة حقوق الطفل و تعزيزها.

           و يبرز البحث الموسوم "مخاطر التلوث على ذكاء الأطفال"، بما يعرضه من أنواع التلوث التي تتعرض لها بنية الطفل بفعل الملوثات البيئية، كونه واحدا من القنوات التي تـُبصِّرُ بمخاطر تلوث من هذا النوع. و يوصي الباحث هنا بضرورة التصدي لهذا الأمر بوضع ضوابط تراعي صحة المجتمع عموما و صحة الطفل و الأم بخاصة.

           " النساء و العنف: إشكالات مجتمعية" . . هو أكثر بحوث هذا الكتاب أهمية لأنه يتصدى لدراسة العنف ضد النساء، الذي كان، و ما يزال، هو أحد أشكال التعدي همجية، بسبب ما يحمله معه من إرث ديني و تقليدي  معاد للمرأة و ينظر الى المرأة بوصفها كائنا أدنى، برضاها أحيانا لأنها تتربى على العبودية! . . فضلا عن توضيح الكيفية التي يتحول فيها جسد المرأة الى حلبة للصراع بين المتصارعين الرجال بدافع عقائدهم الدينية أو القومية أو المذهبية أو الطائفية، و كيف يتميز هذا الصراع بوحشيته و تطرف عنفه الجنسي و طبيعته الجماعية . . ما يعني بأن المرأة، و على الرغم مما تتشدق به الأديان و الطوائف و التقاليد من سجايا لا يملكها معتنقو الأديان و محبي التقاليد هم أنفسهم، ما تزال تنظر الى المرأة على أنها ذاك الكائن الذي من حق الرجل أن يتخذه سريرة له، أو فريسة له متى شاء، شاءت أم أبت، و فاي سن كانت (و هي رضيعة و لغاية أن تبلغ اشدها أنثى مكتملة الجسد). هذا، عدا حرمانها  من الظروف الصحية المناسبة . . و يبين الباحث بأن العنف اللفظي و الإجتماعي ضد المرأة لا يختلف بشئ عن العنف الجسدي و الجنسي، سوى بالدرجة لا بالنوع، لأنه آخر الأمر، من ناحية الجوهر ليس سوى إعتداء صارخٍ على إنسان آخر مهما كانت الدوافع.

           و عند قراءة البحث الموسوم . . "حاجات الأرامل و الأيتام" . . لا ينتاب المرء إلا الأسى لكل تلك النساء اللاتي ترملن ليس لذنب إقترفنه سوى كونهن نساء لرجال و ضعتهم الظروف في قلب جحيم رغما عن إرادتهم . . و الأطفال الذين تيتموا لا لذنب سوى كونهم الحلقات الضعيفة في الصراع الدائر حول مراكز النفوذ و الثروة، و تـُرِكوا هكذا دون غطاء أو حماية بوصفهم مخلفات حروب لا ناقة لهم فيها و لا جمل. و يوصي الباحث هنا بتعديل القوانين النافذة بما يضمن حقوق الأرامل و الأيتام.

           و لم يبخل الباحث بتخصيص دراسة تهتم بالأطفال ذوي الأحتياجات الخاصة يستعرض فيها الدراسات السابقة في هذا المجال، تتناول الأبعاد الشخصية لأولئك الأطفال، المتمثلة بالشعور بالوحدة النفسية و السلوك العدواني والشعور بتقدير الذات. ليتوصل الى أن نسبة كبيرة من الأسر العراقية لديها أطفال ذوي حاجات خاصة بسبب ظروف الحروب الطويلة و الحصار التي عاناها العراقيون، لكي يوصي الباحث آخر الأمر بتفعيل برامج خاصة موضوعة للإهتمام بهم.

          و فضلا عن أن الباحث يتناول تاثير رياض الأطفال في تكوين شخصية الطفل، ما يعني ضمنا أهمية هذه الحلقة من تربية الطفل لما قبل دخوله المدرسة الإبتدائية، لم ينسَ الباحث أن يـُعرِّجَ، في آخر بحث ضمه الكتاب، الى  دراسة قلق الأطفال المهجرين مقارنة بأقرانهم المستقرين، كي يتوصل الى نتائج مهمة مفادها أن القلق الإجتماعي يشكل سمة عامة لأطفال المهجرين، فيوصي بضرورة وضع سياسات تربوية تهدف الى تخفيض الضغوط النفسية التي يعانونها مبنية دراسات غايتها تخفيض القلق الإجتماعي.

           هذه هي المحاور البحثية التي يتحرك بها كتاب بروفسور د. سامي مهدي العزاوي . . و لأننا نعلم أن واضعي السياسات في العالم المتمدن غالبا، بل قطعا، يستفيدون من بحوث من هذا النوع من البحوث لتقريب مفاهيم السلم الإجتماعي . . فهلا إستفاد أحد من هذا الجهد البحثي الذي يهيئ لنا ما يساعدنا لمعرفة من نحن!  . . أم أنه سيذهب، حال غيره، صرخة في واد ملأناه صراخا؟  


                                                           

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق