بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 1 أكتوبر 2016

و إختطفت الجريمة الظلامية منا كـامــل شـيــاع

A word in the Memory of Kamil Shiya’ the Iraqi Thinker
Ahmed Khalis Shalan
(…published in Athaqafah Ajadeedah Magazine)
في ذكرى مفكر عراقي ...
... و إختطفت الجريمة الظلامية منا كـامــل شـيــاع
احمد خالص الشعلان
(منشور في مجلة الثقافة الجديدة-بغداد)


ماذا علينا أن نقول من أجل تعويض خسارتنا؟ . . فعينات البشر الذين من طراز كامل شياع لا تتكرر إطلاقا . . ذلك لأن البشر الذين من طراز كامل ليس من طراز البشر الذين لهم تاريخان . . يوم مولد و يوم رحيل . . فكامل له تاريخ واحد هو يوم مولده، لأنه سيبقى بفكره المواكب الخالد لمسيرة الإنسانية في هذه البقاع.
 كان  كاملُ عندنا "كاملا"  بكل ماتحمله الكلمة من معنى . . إسما و نعتا  . . أوَلا  يقال بأن  . . للصفة أخوات . . إذن، فصفات كامل كانت أخوات . . و لكن ياترى بأية صفة من صفات منظومته الإخلاقية أنعته هنا؟ . .  دمث . . كـَيـِّس  . .  صبور . . مثقف . . متفائل . . متفتح الذهن . . مؤمن بمستقبل الإنسان . . موسوعي . . متفاني . . بسيط . . متعاون . . شهم . . و غيرها . . بأية منهن أنعته و هو كامل "الكامل" كي أنسى أنا ألمي الشخصي  بفقدانه؟ . . أأنعته شهيدا، لأنه أغتيل على هذا النحو الغادر الصامت السافر و ها هو قاتله مـُجار عند جيراننا من الشرق؟ . . الكلمة التي هي وعاء هذا النعت لا تعوضني عما فقدته برحيل كامل حتى لو عُبِّئَ علم الدلالة كاملا ليشحن هذا النعت بكل ما فيه من طاقة و تفسيرات جديدة و مبتكرة! . . بخاصة و قد ألقِمَت مفردة "شهادة" بمعنىً، لا يمت بعلاقة لحدث جلل مثل فقدان كامل، لما بلغه إستعمال هذه المفردة من التفاهة منذ عقود من لدن جيوش ليل الجهاد و السواد، فصار كل صريع لتلك الجيوش بسبب إجرامه  الظلامي اللطمي أو الدرباشي يسمونه . . شهيدا! . . لا أريد أن أستعمل مفردة تجمع . . كامل . . بالصرعى الظلاميين عبيد شرور الفقيه و الظلاميين عبيد شرور الخليفة . . أم أسميه بطلا، لأنه عاد مثلما عدت أنا غداة سقوط صنم الدكتاتورية، و لم نكن ندري أن وراء الأكمة أكمة، و وراء هذه أكمة ما وراءها؟ . . عدنا كلانا، مثل آلاف البشر ممن عادوا الى هذا الوطن الذي لا يفتأُ يأكل أبناءه دون رحم أو وازع من حرص، و عدنا  الى هذه الأرض التي باتت يبابا من يوم دخلها مغول الدين و دين المغول! . . عاد هو من أرض قصية . . و عدت أنا من أرض دنية . . و ربما عاد القليل غيرنا، من تلك الآلاف التي عادت، عدنا لا لكي نتعوض نحن عما خسرنا، أو يتعوضوا هم عما حصل لهم في أرض الفرار هناك من غربة أو ما حصل لنا في أرض المرار هنا جراء ممارسات الدكتاتورية الغاشمة . . بل عدنا جميعا لكي نعمل بأملِ أن يتعوض الوطن بأدنى ما يستحقه عن ركام من الخسارات ما عدنا نعلم في هذا المتاهة من هو المسؤول عنها . . الدكتاتور؟ . . البعث الحاكم كله؟ . . أشباح المصالح الدولية التي تتحرك في الليل و النهار وراء النفط و تصدير الحروب؟  . . جيراننا من الشرق غير الفقيه؟ . . جيراننا من الغرب أتباع السفيه البعثي الاخر؟ . . جيراننا من الجنوب الذي ليس ذي زرع و حين يخرج يخرج جراده معه؟ . . جيراننا من الشمال الحالم بخلافة غير الراشدين و السلاطين؟ . .
عاد كامل شياع من أرض فيها الحرية هناك مشروطة بكوزموبوليتانية إنسانية و أخلاقية الى أرض فيها العيش هنا مشروط  دينيا . . و قبليا . . و طائفيا . . و مناطقيا  . . و خرافيا  . . و إجراميا . . و فساديا . . و . . إنتحاريا! . . لذا، لا أريد أيضا أن أسمي كامل  . . بطلا . . لأن كل صرعى كل تلك القبائل الدينية الطائفية سموا . . أبطالا . . يفجرون أنفسهم فتـُزهق مئات الأرواح البريئة و غير البريئة! . . و لأن هذا النعت هو الآخر ما عاد يفي بالمراد بعد أن أهـتـُرِئت معانيه حد التقزز . . فها هي العقيدة العمياء تسمي كل من يعتدي بإجرامه الجهادي . . بطلا! . . و كل من يسلب من المال العام تسميه . . غانما! . .  و كل من يزني بنساء الغير تسميه  . . مالك يمين! . . فما العمل إذن؟ . . و ماذا سأسمي . . كاملا . . بعد أن فعل الجناة فعلتهم في وضح النهار و أمام الأنظار و على هذا النحو السافر و فروا الى أرض الأئمة! . . لقد نفذ المدد و جفت الحروف! . . و ما عاد بوسعنا أن نرثي أحدا، لأني صرت أمقت الرثاء! . . إذ لم يعد بوسعنا أن نسمي أحدا، مثلما سمى ليرمنتوف بطله . . بطل من هذه الزمان . .  فالزمان ليس هو الزمان . . الزمان الذي رحل فيه كامل ليس هو الزمان!
          عاد . . كامل . . من أرض حيث الإنسان، بحضوره الشخصي، يعيش متحررا من كل إرث يبدد الحب بسبب علاقات موروثة قميئة لشباك تقتل الروح مفروضة من الأسرة و الطائفة و الدين و القومية . . و عاد الى أرض يحضر فيها الانسان و معه كل هذا الإرث السخيف الذي إعتاد عليه من وصاية الفقيه و السلطان و الأبوية المقيتة! . . عاد كامل شياع من أرض فيها حرية الفرد هي شرط تماهيه مع الموجودات من بشر وكائنات أخرى و مع ما موجود في الطبيعة عموما مما يـُمَكـِّنَهُ آخر الأمر من التماهي مع المطلق المنشود، بصلاة لا سجود لإله سخيف و لا ركوع فيها لدكتاتور مقيت، و إنما  يتماهى مع المطلق عبر النسبي المتاح نزرا الى أرض بات فيها الركوع يصل حتى النخاع لأصنام شتى!
عاد . . كامل . . الى أرض أعـتـُقـِلَ فيها العقل منذ دهور، و بات هذا العقل لا يسير فيها إلا و . . الحنديري . .  يعصب منافذه نحو النور. و بذا، صار . . الحنديري  . . شرط تماهيه مع الطائفة و الثلة . . و المجموعة السياسية الإجرامية . .
عاد . . كامل . . من أرض يخرج فيها رئيس وزراء من طراز أولف بالمة مع زوجته  منتصف الليل آمنا و يعود الى بيته دون حراسة . . عاد الى أرض لا يسير فيها أي سياسي دون حماية من مئات المرتزقة المدججين بالسلاح . . و لا غرابة بعد ذلك أننا سمعنا . . صداما  . . ذات يوم يقول . . السلاح زينة الرجال . .  و سمعناها بعدئذ تتكرر على لسان من يزعمون هذه الأيام أنهم كانوا ذات يوم ضحايا هذا . . السلاح زينة الرجال . . و لا عجب! . . فهم يكتنزون بهذه . . الزينة . . سرقاتهم من هذا الشعب، و ما أن يشعروا  بدنو الخطر منهم يروحون يحدثونك عن التقية و البلية! . . و أنا لا أستبعد من الناحية المنطقية أن تكون الجهة التي إغتالت كامل شياع هي ذاتها التي إغتالت تشيه غيفارا أرعة عقود و نيف . . و هي نفسها التي إغتالت أولف بالمة في ليل بهيم  منذ أكثر من عقدين و نيف من الزمان . . و لكن مع فرق بسيط هو أن ذاك القاتل . . قاتل غيفارا في ظلمة غابات بوليفيا . . و قاتل أولف بالمة حتى في الليل البهيم  . . كانا كلاهما هناك يخشيان إفتضاح أمرهما . . و القاتل هنا في وضح النهار لا يخشى أن ينفضح أمره . . قتل و أستجار عند جار سئ . . و صدق من قال . . اللي إختشوا ماتوا! . . فأهل هذه الأرض صار ديدنهم القتل!
عاد . . كامل . . و عدت أنا . . عدنا، و لم نكن نعلم أن هذه الأرض المسكونة بأباطيل الدين و شروره، بل بأسوأ أنواع الشرور إطلاقا، و مع أنهم صاروا يسمونها . . أرض الأنبياء . . فهي لا تحتمل مفكرا من طراز . . كامل . . إذ صار منذ عودته، و قبلها، يشير الى مكامن شر الخرافات الموبوءة به هذه الأرض . . عاد . . كامل . . و ما كان يدري أن للموت عقيدة تزينه ملايين الخرافات السياسية المعشعشة في هذه الأنحاء من المعمورة . . خرافات تتولد منها ملايين السخافات التي قد يتخذها أمراء الخرافة و سدنتها ذريعة و يـُقتـَل المرء بسببها على هذه الأرض غير المباركة! 
 عاد . . كامل . . و ما أزال أذكر حين رن تلفوني . . و على الطرف الآخر يتحدث مفيد الجزائري، و كان بيننا موعد لقاء نتحدث به في هموم الثقافة . .
-         ألديك  مانع استاذ أحمد أن يتواجد في لقائنا شخص ثالث؟
-         قطعاً . . لا مانع لدي! . . أبو نيسان . . بودي لو اعرف مقدما نوع الشخص!
-         كامل شياع.
-         يسعدني جدا! . . و هي مناسبة أتعرف بها على مفكر من طرازه!
و إلتقيت . . كامل . . في مقر الأندلس للحزب الشيوعي العراقي . . و دار الحديث  لساعتين أو أكثر . . هموم الثقافة . . هموم السياسة  . . هموم الديمقراطية  . . هموم وعي الجمهور . . هموم الجمهور العقلاني الذي إرتد بعضه و إرتكس الى الخرافة ، و بعضه الأغلب يتماهي مع الخرافة و الطائفة . . أذكر أن كاملاً و بحضور مفيد الجزائري أفضى كاملٌ بما في قلبه عن جمهور يظلون يثقفونه و ينورونه و يكدحون من أجل أن يفتحوا في عقله نافذة للنور، و يحصل بعدها أن يأتي في ليلة الإنتخابات نكرة طائفية من من نوع ما و يجمع ذاك الجمهور نفسه و يَحدي فيهم بجولة لطم مولولاً على الحسين و يقتادهم في اليوم التالي لينتخبوا سراق المال العام! . . أو يأتي نكرة من شاكلة طائفية أخرى و يذكـِّرَ ذاك الجمهور نفسه بقميص عثمان و يقتادهم في اليوم التالي لينتخبوا سرّاقاً للمال العام . . هذا ما قاله كامل و ذكرني، و سيظل يذكرني ما حييت، بما قاله زرادشت!
خسرته . . و لم أكن قد إلتقيته سوى ثلاث مرات لا غير!
و بعد يومين من لقائي بكامل في مقر الأندلس، وجدت في بريدي الألكتروني رسالة منه تحمل مقالة مارك لايلا الموسومة "تدابير الإله السياسية" . . فقرأتها.
لقائي الثاني به كان  بعد أسابيع . . حين جاءتني دعوة لحضور حفل إزاحة الستار عن تمثال . . سلام عادل . . إلتقينا هناك . . و بعد الحفل بقينا نتحدث ساعة أو أكثر على الرصيف . . سألني عن المقالة، فقلت له:
-         جميلة و مفيدة . . و لكني أرى أنك لم تبعثها إلي لكي أقرأها فحسب؟
أتذكر أنه أوما برأسه موافقا، فسألته:
-          إذن؟
-         إذا يتوفر عندك وقت، أتترجمها؟
فوعدته بذلك.
لقائي الثالث به كان في اتحاد الأدباء قبل رحيله بشهر تقريبا في تموز 2008 . . سألني إن كنت سأشارك في وفد إتحاد الأدباء المدعو لزيارة ايران . . فقلت:
-          حسب علمي . . أنا أحد المرشحين . . إلا غذا حصل تغيير!
علق:
-         ممتاز . . لكي نقضي ساعات السفر نتحدث في أمور لم نتحدث فيها بعد . . و أود الحديث بها معك!
-         سيسعدني ذلك كثيرا!
و لم يدم لقاؤنا ذاك سوى ساعة و نصف . . دعاني خلاله الى شرب إستكان شاي في المقهى الصغير خلف مقر الأندلس . . ثم إفترقنا و لم  نلتقي بعد قط  . . و لم نذهب في ذاك الوفد أيضا . . و المصيبة اعظم! . . لأننا لم نكن ندري، و دون علم إتحاد الأدباء، بما كان يـُعدُّ و يـُخطط بالخفاء لتلك السفرة من لدن سدنة الثقافة الطائفية في وزارة الثقافة، إلا حين فاجأنا، على الفضائيات، ظهور خبر سفر وفد من الدباء الى طهران، فإتصلت بكامل، فعلق:
-          و هل ما حصل تعده غريبا؟
-         أبداً
و لم ألتق بعدها بكامل . . لكن أحاديثنا بالتلفون ظلت مستمرة  . . لغاية أن صعقني خبر إغتياله الآثم! 
 . . . فما عساي أن أقول بعد؟
نفذت مني كلمات الرثاء! . . لا أريد أن أرثي . . كاملا . .  فالكامل لا يرثي بل يخلد!

و البشر الخيرون الذين يرحلون غدرا و يستحقون الرثاء كـُثـرُ . . وخيرهم أستثنيت!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق